اعمدة ومقالات

عماد الدين ميرغني:رايح لينا الدرب 2

في بلد فيه الأعمى شايل المكسر

آن أوان الإجابات والعمل، ولا مجال لشيء آخر

 

دوماً ما يتوه صاحب أي فكرة عن صياغة فكرته بقلمه عند حديثه عن مثل هذا الراهن. فالقضية قضية إجترار لمسائل كثيرة وطويلة تحمل طابعها الاجتماعي والثقافي والآيدولوجي على مستوى الساحة السياسية.

لكن لابد من الإعتراف بقصور العقلية السودانية حتى على مستوى الساحة السياسية؛ ليس في استيعاب المعضلة في حقيقتها، فالآن يمكن القول أن الكثير ممن يعايشون هذا الواقع يفهمون طبيعة هذه المشاكل بكل تعقيداتها، وإنما في خلق واقع عملي بطرح جامع يُخرِج هذه الدولة من هذا المأزق الضيق للغاية.

إذ أن القضية من الداخل لها أبعادها الإجتماعية البحتة المتمثلة في التمايز على مختلف المستويات، من إحتكار لفئات ضيقة للمشهد السياسي ومحاولة استخدام لفئات أخرى للإنضواء تحت نفوذها في إدارة المشهد، مما خلق هذه الصراعات التي وصلت إلى حد الإقتتال والحروب الطويلة التي أكلت الأخضر واليابس في جنوبها وغربها وشرقها بل حتى وسطها الذي لم يسلم من أشكال القمع المسلح.

حتى الأبعاد الآيدولوجية العقدية التي أظهرت شكلاً جديداً في الصراع بين يسار ويمين، قد يكون هو عاملاً فرعياً، لكن أساسه إجتماعي بحت، ولكن سطحية بعض العقليات تتعامل مع هذا الأمر تحديداً بحجم أكبر من حجمه الحقيقي، وهنا تكمن كارثة أخرى.

وهنا تحضر إحدى مقولات المفكر الراحل الأستاذ أبو القاسم حاج حمد، تحديداً في ندوته عن آفاق السلام التي أقامها في أبو ظبي في عام 2004 “الأمر يتطلب تفكيراً منهجياً واستراتيجياً، ليس لمعالجة مشاكل طارئة في السودان، وإنما لإعادة التأسيس. أنتم أمام بلد يحتاج إلى إعادة تأسيس، ضعوها كحقيقة واضحة وفكروا بموجبها”.

إذ أن طبيعة هذه الصراعات الإجتماعية هي طبيعة تلك الصراعات التي من المفترض أن تكون في قرونٍ سابقة لا أن تتواصل إلى القرن الواحد والعشرين، وهي التي تعاملت مع الدولة كأنها غنيمة، مما جعل هذه الدولة تنهار رويداً رويداً حتى وصلت إلى حالتها الحالية والتي تُعتبر رُكام دولة بعد الخراب الذي أحدثه النظام البائد، وهو ما جعل المفكر الراحل أبو القاسم حاج حمد يرى في أن إعادة تأسيس الدولة هي حقيقة لا مفر فيها بحكم دراساته الميدانية والتحليلية للواقع السياسي السوداني، وكانت نظرته ثاقبة للغاية، والمشهد الحالي يؤكد ذلك.

الإجابات التي تُحلل الواقع السياسي السوداني موجودة لدى الكثير من المتتبعين والباحثين والقارئين للواقع السياسي السوداني مهما اختلفت توجّهاتهم الفكرية، لكن الإجابات التي تطرح الحلول باتت هي الإجابات التي ينتظرها الجميع للخروج من الأزمة الراهنة.

فالتفكير المنهجي والإستراتيجي الذي طرحه الراحل حاج حمد كضرورة من ضروريات تأسيس الدولة هي عصب الحلول التي نبحث عنها في الوقت الحالي، وهي الحقيقة التي لابد من تستوعبها كتلة سياسية تلعب دوراً فاعلاً في الساحة السياسية الحالية بحيث أنها تفرض على الساحة أرضية المنافسة البرامجية بدلاً عن الصراعات الإجتماعية التي راح ضحيتها شعوب وشعوب في مختلف بقاعات هذه الدولة المترامية الأطراف.

لابد لكتلة سياسية جديدة أن تستوعب المتغيرات التي طرأت في السنوات الأخيرة، فنحن في عصر السرعة، ويتطلب الأمر السرعة في استيعاب الأمر ووضع الخطط والبرامج والعمل عليها في كافة المستويات.

إن أهم العوامل التي لابد أن تستوعبها الكتلة السياسية الجديدة هو حجم الإنفتاح على المستويين الداخلي والخارجي، والذي خُلِق بفعل عاملين رئيسيين. أولهما هو التغيير على المستوى السكان والذي نتج عنه إزدحام الخرطوم بكل المكونات الإثنية والإجتماعية، وضعت جيل الشباب الفاعل في الثورة في صف واحد باختلافاتهم الإثنية والإجتماعية والثقافية.

ثانيها، ثورة التكنولوجيا المعلوماتية بفعل شبكات التواصل الإجتماعي، والذي ساهم في التناقل السريع للمعلومات وتحليلاتها ووجهات النظر المختلفة، كما أنها خلقت إنفتاحاً على العالم، وجعلت العالم بأكمله بمساحة أضيق بكثير مما كان عليه في العصور السابقة.

أي أن الكتلة السياسية الجديدة سيكون عليها عبئ التعامل مع هذه المتغيرات وتطرح تلك البرامج التي تستوعب إنفتاح المكونات على بعضها البعض في بوتقة واحدة، مما يعني منحها لجميع مناطق هذه الدولة ذات الحقوق والواجبات والإمتيازات، وفي ذات الوقت لابد لها أن تستوعب مدى الإنفتاح على الخارج على أنه أمر لابد منه، وتتعامل معه في إطار كسب المصالح المشتركة على المستويين الإقليمي والدولي.

ومثل هذه الأبعاد تغفل عنها الأحزاب السياسية التقليدية إما بغير وعي كامل وهي كارثة، وإما عن عمد وهي كارثة أخرى أكبر من الكارثة الأولى، وهي بذلك لا تعي بكامل وعيها أن الوقت الحالي هو الوقت الذي لابد أن يلتزم فيه الجميع بالإتفاق حول رؤى مشتركة وخطط متفق عليها لإخراج الدولة من هذه الأزمة الطاحنة على كافة المستويات، فسفينة السودان آلت إلى الغرق بالكامل وما زالت الصراعات محتدمة على متن هذه السفينة.

وبنفس القدر، لابد أن يستوعب جيل الشباب الحال وهم الشريحة الفاعلة في الثورة؛ ضرورة إستيعابهم للقضية من كامل جوانبها، أي أن الوعي السياسي الذي كان مفقوداً في عهد النظام البائد بفعل التعليم المتردي والقمع الممنهج، لابد له أن يكون حاضراً في الوقت الحالي، وأن يعرف كل فرد من أفراد هؤلاء الشباب مدى مقدراته ووضع نفسه في إحدى الخانات التي ينبغي أن تكون فاعلة في المراحل القادمة، سواء على مستوى لجان الأحياء أو التجمعات المهنية أو الأحزاب السياسية.

هذه هي الإجابات التي من المفترض أن تُقدم في الوقت الحالي من قبل بعض الأطراف في الفضاء العام المساهم في هذه  الثورة، ليتم على إثرها العمل عليها بكل جد للخروج من هذا المأزق، فإلى متى سنظل جميعاً “رايح لينا الدرب” في هذه الدولة “الأعمى فيها شايل المكسر”؟.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى