ناهد قرناص

الأربعة

كان الوقت ليلا عندما وصلنا مطار الخرطوم . ..توقفنا عند الاشارة الضوئية ..لفت نظري طفلين صغيرين لا يتجاوز اكبرهما الثامنة ..كانا يتجادلان بحيوية (نمشي لي داك احسن)..(ياخ دا اقرب)..قال لي شقيق زوجي الذي كان في استقبالنا ..(يقصد العربية الورا عشان جديدة وسمحة ..لكن عربيتي نص عمر )..ذهبا الى العربة الخلفية ..ثم عاد احدهما الينا ..قال الطفل (مساعدة بالله)..مازحه محمد (انت ليه مشيت للعربية الورا في الاول؟ عشان جديدة يعني ؟)..قال الطفل بهدوء (لا ..والله ..كل العربات زي بعض..كلها في النهاية… اربعة عجلات)..خذوا الحكمة من افواه الاطفال ..شد ما اعجبني قوله …يجتهد البعض في هذه الحياة من اجل تغيير السيارة وموديل السنة ..يقترضون من البنوك ..يدخلون في الأقساط ..وكلو ..في النهاية اربعة عجلات. …
نتطاول في البناء .. ونجلب اعتي المهندسين وننتقي اجمل الخرط.. نرهن العمر في سبيل البيت ….و ..في النهاية …اربعة جدران. …نتفنن في الاكل ونبتاع افخر اللحوم واندر الفواكه ..نرتاد أفخم المطاعم ..نتذوق اجمل الاكلات ..و ..في النهاية أربعة عناصر.
قيل ان هارون الرشيد سأل احد علماء عصره قائلا (عظني ) وكان يمسك بيده كوبا من الماء ..فقال له العالم (بكم تشتري هذا الماء لو منع عنك؟)..قال الرشيد (بنصف ملكي)..قال العالم (وكم تدفع لو منع خروجه من جسمك؟)..قال الرشيد (اشتريه بنصف ملكي الاخر ) ..فقال العالم (انظر الى الملك الذي يضيع من اجل شربة ماء)…. عندما تتلى عليك تعليمات الهبوط الاضطراري من الطائرة في حالة الطوارئ ..يقولون لك بحزم ..اترك كل شئ ..حتى الحذاء واقفز …انظر كم ندفع في حذاء يضيع عند اول طارئ…. الحياة في مجملها لو أفرغناها من كل القشور التي تحيط بها والتي نقضي حياتنا في محاولة الحصول عليها …سنجد انها كما يقول اهلنا (النفس الطالع والنازل دا).
ايام الجامعة ..كنت في طريقنا لقضاء عيد الفطر في مدينتي (عطبرة )..لم تجد رابطة الطلاب غير قطار لنقل البضاعة لكي نلحق عربتنا به ..يوم الاخير في رمضان في شهر مايو عز الصيف .. كنا صائمين ..تحرك القطار في السابعة صباحا ..على امل ان نصل الى عطبرة حوالي الثالثة عصرا..شاءت الاقدار ان يحدث عطل بالقطار وتتقطع بنا السبل في الصحراء …قاربت الشمس على المغيب ..واسقط في يد الجميع …في اخر لحظات ..مر بالقرب من القطار (لوري) يحمل كمية من الرغيف الساخن ..توقف عندما رانا جالسين بالقرب من القطار …أعطانا كمية من الخبز وكيس ملئ بالطماطم الطازجة… عملنا ساندوتشات قطع طماطم بدون ملح …ماء (الزير) في القطار أضفنا له كل ما كنا نحمله من بقايا رمضان ..( حلومر وكركدي وتانج )..مخلوطا مع بعضه فكان (يخن عجب)…لو سالتني هل هناك ما اذكر طعمه في لساني الى الان ..لقلت لك.. تلك (الاكلة) في صحراء الشمال…. . هل اوصلت ما اردت قوله ؟؟ ..الفكرة كلها انني استشعرت قول الفيتوري رحمه الله :
دنيا لا يملكها من يملكها …
اغنى أهليها سادتها الفقراء ..
الخاسر من لم يأخذ منها ما تعطيه على استحياء …
والغافل من ظن الأشياء …هي الأشياء.

زر الذهاب إلى الأعلى