اعمدة ومقالات

د.اكرم إبراهيم يكتب:المرأة في الرواية السودانية

نموذج رواية شوق الدرويش

أكرم ابراهيم البكري
شكّلت المرأة السودانية، نواة أساسية في صناعة وجودها وتقدم مسيرتها منذ قرون ما قبل التاريخ. من أمانجي ريناس التي حكمت مملكة كوش إلى مهيرة بنت عبود ورابحة الكنانية وفاطمة احمد ابراهيم وغيرهم الى دورها في الثورة الأخيرة التي أطاحت بحكم البشير.
وتميزت المرأة السودانية في كافة المستويات الإقليمية والإفريقية والعربية وكانت رائدة وسباقة في المجالات العلمية والأدبية والعملية، ومنذ فترة ستينيات وتحديدا العام 1964 من القرن الماضي كان لها حق التصويت السياسي للانتخاب ولم تنال المرأة في كثير من دول العالم حتى اوربا هذا الحق ولم يقف الامر عن ذلك بل كان لها الحق في الحصول على معاش وراتب عمل متساوٍ مع الرجل.
يعتبر المجتمع السوداني القديم مجتمع زراعي والمجتمع الزراعي متحضر واعلي درجة من المجتمع الرعوي (العروبي) ومنذ ذلك العهد القديم للسودان ما قبل الميلاد كانت هنالك صله مع الإلهة الأم التي كان يتصور المجتمع آنذاك أنها جزء من الطبيعة فتم تقديسها. فقد كانت الممالك السودانية القديمة مثل مملكة كوش القديمة، تخُصّ الأم بقدسية ومكانة خاصة، مما يعكس دور المرأة ومركزها الذي لا يقل عن دور الرجل الحاكم. وقد فرضت المملكة أن تلعب والدة الملك دورا أساسيا في حكم البلاد، وإذا ماتت الملكة الأم أو (الكنداكة ) وهي تعني الأم العظيمة، يتم اختيار امرأة أخرى من العائلة المالكة لتحل محلها مما يفسّر الدور الهام الذي كانت تقوم به المرأة في الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية ، رغم الدور البارز للمرأة السودانية في الحياة العامة منذ عهد ما قبل ميلاد المسيح الا ان مركز المرأة تواضع وتقهقر فيما بعد خاصة بعد قيام دولة الفونج وهي للمفارقة اول دولة عربية اسلامية مجازاً قامت في السودان وانعكست التجربة الثيوقراطية الثانية في السودان الدولة المهدية بصورة سالبة علي مكانة المرأة وفي الدولتان الفونج / المهدية تم حصر المرأة في مجالين اما ان تكون زوجة او جارية .
شكل موضوع المرأة ركيزة اساسية للعمل الروائي في السودان وتناول عدد مقدر من الروائيين السودانيين موضوع المرأة من خلال وجهه نظر مختلفة، ومن اشهر الشخصيات الادبية شخصية بت مجذوب في رواية موسم الهجرة الي الشمال، شخصية لها اعتبار في المجتمع السوداني، وايضا شخصية نعمة في رواية عرس الزين.
الا ان الحقيقة الشاخصة تقول المكانة المتوارثة للمرأة في السودان قوية ولها تأثيرها المباشر فمثلاُ بعض الحقوق التي تناضل المرأة من اجل كسبها في دول اخري حسم امرها في السودان منذ زمن بعيد ، ولان التركيبة الاجتماعية معقدة جدا ومتداخلة فان النظر لوضعية المرأة من خلال البعد العرقي للشمال النيلي يعتبر اجحاف فخروج المرأة في دارفور وكردفان ومشاركتها في العمل امر واقع ولا نقاش فيه بطبيعة الموروث الثقافي هنالك اذن نجد ان تناول المرأة في الرواية السودانية فيه كثير من النمطية و تأثر بثقافة اخري وافدة اثرت علي جزء من المكون الثقافي السوداني واصحبت مسيطرة علي الطرف الشمالي من السودان ، فالمرأة التقليدية النمطية التي في بعض الرويات السودانية لا تمثل باي حال من الاحوال الواقع الحقيقي ولا تعبر حقيقة عن صورة المرأة في المجتمع السوداني وظهرت بعض الرويات لكتاب ناقشت قضية المرأة ومكانتها وصراعها ما بين الموروث الثقافي الاسلامي وحقيقتها هي كموروث ورب ما قبل التاريخ الميلادي .
في رواية شوق الدرويش للكاتب حمور زيادة يخرج الينا الكاتب حمور زيادة بفرع اخر متفرع من النص الاساسي لروايته يتناول قضية المرأة من خلال البعد التاريخي والمكاني لرواية شوق الدرويش.
فالمرأة عند حمور في شوق الدرويش تحتل مساحة كبيرة ومؤثرة في حركة النص وتمثل احياناً الدافع الأقوى لدي السارد (بخيت منديل) لكي يواصل فعل السرد لوقائع القصة في تلك الفترة الزمانية المشار اليها في الرواية.
وفي احيان اخري ًتشكل المرأة كقضية ثانوية وتكون في خط متوازي مع القضية الاساسية التي تناولتها الرواية بأبعادها التاريخية .
ف (حواء) ثيودورا تمثل القاسم المشترك وتكاد تنافس الشخصية المحورية بخيت منديل بل في كثير من الاحيان تكون الشخصية المحورية والمحرك لتروس النص في رواية شوق الدرويش .
نجد ان حمور زيادة استطاع ان يرفد شخصيات متنوعة للمرأة هذه الشخصيات تتقاطع حول مفهوم محدد ، ويأطر قضايا المرأة الحالية من خلال نماذج نجدها في الرواية … ثيودورا حواء ، فاطمة زوجة الحسن الجريفاوي ، ومريسيلة التي يزعم ان امها حملت بها من الجن ، عطا منو والده مريسيلة ، فضل العزيز الخادم في الكنيسة ، وعلي الجانب الاخر يظهر نموذج يحكي ابعاد اخري للمرأة فهنالك بثينة بنت السيد التركي عبداللطيف افندي مظهر ونموذج اخر يتجسد في نفيسة زوجة العاشق يوسف افندي سعيد فالنموذجين بثينة ونفيسة يشرح الجانب المشوه الذي تعيشه الأنثى في مجتمع معقد التركيب المجتمع الشرقي عموماً ، فحمور يوضح شخصية نفيسة كشخصية سيكوباتية ترتفع عندها الانا ويسقط الاخر وتكبر عندها غريزة الانانية والسيطرة وحب المال ويتجسد ذلك في شكل خيانة مكتملة التفاصيل .
بداية رواية شوق الدرويش كانت بسقوط دولة المهدية، والهزيمة السياسية لعبدالله التعايشي ماهي الا انعكاس للهزيمة الحضارية والاجتماعية للمشروع الاسلامي العروبي للدولة المهدية والذي يوضح ذلك هو ان الجيش الغازي كان اغلب جنوده من ابناء السودان النيلي .
لم تمثل المرأة بعدٍ ثابت في رواية شوق الدرويش بل تقلبت في النص من موضوع الادانة التي اشرنا اليها في شخصية نفيسة زوج يوسف افندي سعيد الي اداة للإدانة، ادانة مجتمع بكل عيوبه وشروخه واصبع يشير الي العجز والانتكاس في قدرة مجتمع مثل مجتمع الدولة المهدية علي النهوض والتطور مجتمع يؤمن بالغيبيات الي حد التسليم لها ، فما كان من عطا منو الا ان ارخت جسده أي المجتمع وقالت انها حملت من الجن ولم يستطيع احد مناقشة ذلك الادعاء حتي الكاتب نفسه ، كيف لا والمهدية نفسها قامت بدعاوي غيبية في تثبيت اركانها وما منشورات الامام المهدي الا دليل علي ذلك .
أن النظرة الاجتماعية في الدولة المهدية كانت متأرجحة ما بين دعاوي الامام محمد احمد المهدي والنظرية والتطبيق لذلك لم يكن سلوك مريسيلة الذي يخالف تعاليم الديانة الاسلامية لم يكن سلوك ذاتي بقدر ما كان تجلي لانهيار قيمي ومتتابعات تبرهن سقوط مشروع الدولة المهدية اجتماعياً قبل دك الغزاة لقبة المهدي ولنفس السبب لم يكن مستغربا ان يلجا اغلب النساء حتي بعض نساء قادة المهدية الي بيت مريسيلة للاحتماء من الجنود كتشنير يحتموا ببيت دعارة وبيع للخمور وتكون هنا رسالة مبطنة ان تلوث الجسد منفصل عن سلوك الشخصية ، نجح حمور بوعي منه او من غير وعي ان يخرج النص الرواي في شوق الدرويش من سجن الجسد وتبعاته الجنسية الي الولوج الي طرح قضية محددة تمس المجتمع في مفهوم تقبله للمرأة كقضية ف (مريسيلة) اكبر نموذج للمرأة الشخصية ، وعلي الجانب الاخر هنالك نموذج يمثل الضد لشخصية مريسيلة فاطمة زوجة الحسن الجريفاوي الكاتب قدم تلك الشخصية كنموذج للمرأة النمطية والتي ترتهن للشخصية الذكورية ان كانت اب او اخ او زوج ومن تلكم الشخصيتان يمكن ان نقول ان رواية شوق الدرويش طرحت مفهوم اخر للهوية وتناقضها في المجتمع السوداني مريسيلة تمثل البعد الثقافي الزنجي الافريقي بكل تفاصيله و فاطمة زوجة الحسن الجريفاوي انعكاس واضح للثقافة الاسلاموعروبية الوافدة ومفهوم المرأة فيها .
ومن خلا السرد الروائي علي لسان بخيت منديل والاحداث التاريخية التي نظن ان حمور زيادة حاول نقلها في شكل محاكمة تاريخية لتلك الفترة نحاول هنا ان نسقط نموذج المرأة في رواية شوق الدرويش علي النظرية التي عمل عليها دكتور مصطفي حجازي في كتابة التخلف الاجتماعي مدخل لسيكولوجية الانسان المقهور ونظرا لما تكسبه وضعية المرأة في السودان باعتبارها احد اهم العوامل لدراسة بنية التخلف الاجتماعي. وبالرغم من ان الدكتور مصطفي حجازي قد خصص فصلاً كاملاً يتناول فيه ملامح وضعية القهر في مختلف الطبقات الاجتماعية وبصورة عامة للدول العربية او النامية وما ارتبط هذا الفصل مع بقية فصول كتابه المشار اليه الا اننا نؤكد علي ان ما تناوله الدكتور ما هو الا بداية علمية تفتح كثير من الاسئلة ذات ارتباط عميق بالواقع اليومي وبالأخص عندنا في السودان .
ومن خلال دراسة د/ مصطفي حجازي عن المرأة يمكننا حصر المرأة في ثلاثة محاور واسقاط بعض النماذج المذكورة في رواية شوق الدرويش عليها: –
المحور الاول محور الاستلاب الثقافي:-
وتكون المرأة اوضح الامثلة علي وضعية القهر وفيه ترتفع المرأة المشتهاة جنسياً الي مكانة اسطورية عند الرجل المحروم ، وفية يتم اختزال المرأة في حدود الجسد وبالتالي كانت ثيودورا حواء اكبر مثال علي ذلك من قبل ابراهيم ود الشواك والذي طمع فيها ان تكون جارية فراش وعندما تمنعت عاقبها بالختان .
( اتركوني….
لا يجوز ان تكون المسلمة غلفاء هذا حرام.
تستغيث بعلو صوتها .. لكن العدم يبتلع صوتها تمييل عليها ام الشول تنظر بين فخديها
خاتنه سوداء ضخمة كحائط حجري تدفع اصابعها داخلها، تصرخ ثيودورا يفتحها الوجع، ينفجر نبضات صارخة فى كيانها، تمسحها ام الشول بزيت دافئ تنفض رجلاها ثم تمر الموس على لحمها …… يا يسوع
جسدها مثقل بالخدم المتشبثات به وجعها يهزها. تتشنج تمشى الموس على لحمها وتحس دمها يسيل تحتها.
تميل ام الشول ثانية وتقطع لحمها على مهل كلما أزعجها الدم جففته بخرقة…) أنتهى ـ
وهنا يتمثل الاستلاب والقهر الجنسي المرأة الأداة التي يمتلكها الرجل مستخدماُ اياها لمنافعه الشخصية المتعددة، وكان عقاب ابراهيم ود الشواك لثيودورا قاسي فهو عقاب تعويضي عن المهانة التي تلقاها بتمنعها ومن النص أعلاه يكون انتقام المقهور يحمل شكل التماهي مع المتسلط نفس القسوة التي يلجا اليها ود تورشين مع مناهضيه.
ومن ناحية اخري كانت ثيودورا ايضا لها اسقاطات نفسية كامرأة من المجتمع الغربي بالرغم من انها عاشت ما يقارب العشر اعوام في السودان الا ان سلوكها نفسه كان ذو ابعاد عنصرية يعبر عن نفسية مقهورة تتعامل بتعالي مع السكان الاصليين وتري في نفسها رسول الخلاص الي بلاد الهمج ولذلك عوضاً عن التجاوب العاطفي مع بخيت منديل عملت علي تعليمة وتثقيفه علي نحو موجة فحدثته عن امجاد غردون باشا في بحر القرم والصين وعملت علي تعليمة اللغة الانجليزية علي اساس انها لغة العالم المتحضر السلوك القهري للمتسلط الاوربي تجاه دول العالم الأخرى .
المحور الثاني هو محور الاستلاب الاقتصادي: –
والاستلاب الاقتصادي الذي تناولته رواية شوق الدرويش يمكن ان يكون في شكل ظاهرة الجواري والرقيق والدعارة في المهدية ، ويظهر تبخيس امكانيات المرأة الي درجة كبيرة تبخيس الي الحد الذي يسمح للرجل باستقلال مجهودها دون مقابل فالحراك الاجتماعي في دولة المهدية يجعل المرأة تحتل مواقع انتاجية ثانوية وتكتفي بمكانة هامشية حين يحتكر الرجال الاعمال الاساسية وتجسد تلك الصورة زوجة ابراهيم ود الشواك والشول الخاتنه السوداء ، وحديث مريسيلة عن بعض امراء المهدية وابطالها ، كفروا بالدولة المهدية وكسلوك تعويضي لنفسيتهم المقهورة صبوا كل هذا القهر علي الجنس وشرب الخمر و كان ترددهم الدائم علي مريسيلة :-
(ولكنه يبدو لها أكثر كبرياء من امراء وقادة عرفتهم اولئك الذين يلهثون خلف حبشية بضة لمحوها عرضا في شوارع المدينة) أنتهى
الحق يقال ان سوق الرقيق في امدرمان ابان الدولة المهدية كان اكبر سوق لبيع الجواري في افريقيا في ذلك الوقت وكانت النخاسة احد اعمدة الاقتصاد ورفد مهم لبيت المال في المهدية .
ان تؤاطو المجتمع في الدولة المهدية انعكاس لواقع السودانيين كسلوك فتم تحويل المرأة من كائن ابداعي الي كائن محنط ومراقب في كل تصرفاته خرجت طلعت لبست ……الخ واستلاب اقتصادي ممنهج من تجار الرق الذين يتحكم في شؤن النساء باسم الدين او العادات والتقاليد .
ويكون المحور الثالث عند د/ مصطفي حجازي وهو محور الاستلاب العقائدي :-
وهو ان تقتنع المرأة بدونيتها وتعتقد جازمة بتفوق الرجل وسيطرته، واعتقاد المرأة ان عالمها هو البيت وان كل امكانياتها تتلخص كأم او زوجة وان من واجبها الطاعة لزوجها والنموذج الذي يجسد ذلك المحور فاطمة زوجة الحسن الجريفاوي والتي زوجها ابيها الشيخ سلمان ود طة لاحد تلاميذه ولم يرد في الرواية ما يشير لشورة فاطمة من الحسن وفجاءة يقرر الزوج الرحيل عنها من اجل قضيته وفي كل الحالات (الزواج) او (رحيل الحسن الجريفاوي لم يكن هنالك رأي لفاطمة خلاف التسليم لأمر الله .
(ناداني الله يا فاطمة
اما ترين ما اصاب الدين من بلاء …..؟
تغير الزمان وملئت الارض جوراً الترك الكفار ، بدلو دين الله . اذلوا العباد
يدخل على فاطمة غرفتها . حلوة كما لم يرها من قبل ، ندية كشط النهر عند الجزر ، مبللة بالشوق ، تلمع على جسدها الذكريات يقف عند الباب ، اين منة الكلام الان ، لكنها تعينة تقول له :-
* عزمت امرك
يقول والوجع يمزقه :-
طال تأخيري عن داعى الله يا فاطمة

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى