تقارير وتحقيقات

“سيارات من دون لوحات”.. بذور بيوت الأشباح سيئة الصيت

“سيارات من دون لوحات”.. بذور بيوت الأشباح سيئة الصيت
الخرطوم: فايزة اباهولو
أشخاص بأزياء مدنية وعربات دون لوحات يقومون باعتقال مواطنين في احداث موكب 30 يونيو.

مثل مشهد عودة السيارات بدون اللوحات المرورية، حالة من الجدل في الأوساط السياسية السودانية، لما ارتبطت به هذه السيارات من انتهاكات تجاه المواطنين والمتظاهرين، وبسقوط نظام المخلوع البشير في أبريل من العام 2019، ظن السودانيون أن هذه السيارات اختفت وللأبد، لكن رصد العديد من المتظاهرين عودة هذه السيارات في مواكب 30 يونيو الماضي، وقيامها بتنفيذ اعتقالات ضد متظاهرين، مما أيقظ المخاوف من عودتها مرة أخرى، في عهد يفترض أنه قد انتهت تلك الممارسات القمعية.
فما هي تلك فرق الاعتقال ومن وراءها، وكيف تباشر عملها؟
وللإجابة على هذه التساؤلات استطلعت صحيفة “سودان مورنينغ” عددا من المتابعين للشأن السياسي.
جذور قديمة
الكاتب الناشط السياسي الحقوقي، عبدالله عيدروس، يعود بجذور الظاهرة إلى ربطها بالانحلال الذي تم في المؤسسات الأمنية والعسكرية، فيقول في إفادة لـ “سودان مورنينغ”: “انهارت مؤسسة الجيش السودانية وتخلت عن مهنيتها، واحترافيتها إبان سماح الدولة لمجموعات قبلية وعقائدية دينية وسياسية بحمل السلاح والمشاركة في الحروبات ضد كل تمرد يندلع في أجزاء السودان، فتكونت قوات الدفاع الشعبي وحرس الحدود والمراحيل والدعم السريع وغيرها من المليشيات”.
ويضيف عيدروس قائلاً: “إن تقاعس الدولة عن قيامها بواجب حفظ الأمن وإحالة مسؤوليتها في ذلك الي جهات اخري بمسوغات سياسية واحد من أهم الاسباب التي سهلت من أمر التمرد على أي سلطة قائمة في تاريخ السودان القديم والحديث.

ويرى “عيدروس” أن مشاكل مؤسسة الشرطة السودانية استفحلت عند قيام الدولة بإنشاء أجهزة عسكرية بصلاحيات تفوق كل ما عداها من مؤسسات بما فيها القضاء نفسه”.
ويتابع قائلاً: “سمح لهذه الأجهزة باتخاذ قرارات بسجن واعتقال المواطنين، وحتى محاكمتهم واعدامهم، ومن نماذج هذه الأجهزة سيئ الذكر جهاز الأمن القومي في حكومة مايو، وجهاز الأمن والمخابرات الوطني في عهد الإنقاذ الساقط، وكذلك هيئة العمليات والأمن الشعبي وغيرها من الأجهزة التي تخرق الدستور وتحوز على سلطات مطلقة غير قابلة للمراجعة”.
ويختم “عيدروس” قائلاً: “في ظل مثل هذه الأجهزة تصبح حياة المواطن ومصيره رهينة بقرارات من أفراد مجهولين ومن غير المعروف مدى تأهيلهم أو تدربيهم”
مخاوف من عوده فرق التصفية وبيوت الأشباح
موظف، فضل حجب اسمه، يصف ظاهره فرق الاعتقال السرية بأنها ليست جديدة على الشارع السوداني، ففي مطلع العام 2019شرع الشارع السوداني في الاحتجاج على الازمة الاقتصادية التي تعاني منها البلاد، فردت الحكومة بالعنف، مما أدي لسقوط عدد من الضحايا برصاص قوات الأمن، حيث ظهرت في تلك الفترة قوات الأمن بسيارتها التي لا تحمل لوحات فأطلقت والرصاص على المتظاهرين، واعتقلت العديد منهم. كما سُجلت حالات دهس قامت بها تلك السيارات وراح ضحيتها عدداً من المواطنين، وتبين وقتها عنف القوات الحكومية وانتهاكاتها للحقوق المدنية للمتظاهرين.
التخوف الأساسي ينشأ من عودة فرق التصفيه مجددآ وعودة بيوت الأشباح سيئة الصيت، وهي بيوت سريه يجري فيها تعذيب وارهاب وحتى قتل المعارضين بواسطة الأجهزة الأمنية أسستها حكومة الإنقاذ منذ سطوتها على الحكم في العام 1989. فعوده ظاهرة السيارات دون لوحات خلال المظاهرات الأخيرة يثير الخوف في نفوسنا.
ليس لأجهزة المخابرات سلطة على المواطنين تخول لها اعتقالهم أو التجسس عليهم، بل تلك مهمة الشرطة، كما أن من مهامها أيضاً تقديم المتهمين منهم للمحكمة لا غير ولا يرخص لها بأي شكل من الأشكال القيام بتعذيب المواطن، حتى ولو كان متهماً بالخيانة والتخابر مع الأعداء.

وعندما لا تتوفر ثقة المواطن في أجهزة الدولة تصير في نظره مجرد عصابات تخدم أجندة أشخاص متنفذين، وفي مثل حال كهذه يصير حمل السلاح دفاعاً عن النفس مشروعا، فكيف يكتمل الانتقال الديمقراطي في السودان ولا زالت السيارات والأشخاص غير المعروفين بانتسابهم لجهة رسمية ولا هوية الجهات التي تشغلهم تقوم بمهاجمة التظاهرات السلمية واعتقال المواطنين وإهانتهم بل وتصويرهم رغما عن إرادتهم.

مخالفات دستورية تستوجب التقاضي
في ذات السياق يؤكد القانوني مجاهد عثمان أن أي اعتقال خارج إطار القانون يعتبر مخالف للوثيقة الدستورية وانتهاك صارخ للحريات ولأبسط حقوق المواطن والمواطنة.
يقول في إفادة لـ “سودان مورنينغ”: “بموجب القانون الجنائي يحق للشخص الذي يتم اعتقاله بصورة خارج إطار القانون يكفل له حق الدفاع الشرعي، لأن هذه الممارسات تتنافي مع المواثيق الدستورية العالمية كالإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وغيرها من المواثيق والعهود الدولية، وأي شخص يتعرض لاعتقال غير قانوني عليه بفتح بلاغ بالواقعة ضد الشخص المعتدي عليه، وقد تصل عقوبة الاعتقال غير المشروع السجن لسنتين”.

المحلل السياسي مجدي كنب، يرى أن هذه السيارات إن كانت تتبع لجهات أمنية رسمية، فهذا ما تفترضه طبيعة عملها، لجهة أن أجهزة الأمن وشرطة المباحث عادة لا يرتدي أفرادها زياً رسمياً مميزٌ لهم.
ورغم ذلك، يؤكد “كنب” في حديثه لـ “سودان مورنينغ” أن طبيعة عمل هذه الجهات لا يبرر الاعتقال الهمجي وغير القانوني، كما أكد أن طبيعة عملهم لا تستلزم استخدام سيارات من دون لوحات. ويضيف: “المشكلة الأساسية هي استخدام هذه الأجهزة للعصابات والمجموعات المتفلتة واستخدام السيارات من دون لوحات”.
لا يبدو أن المواطن السوداني والثوار يعترضون على إنفاذ القانون، لكن يكمن التخوف الأساسي عن الغموض الذي يرتبط بالجهات التي تنفذ القانون، ففي حال وجود سيارات غير معروفة الجهة يصعب تحديد الجهة المسؤولة في حال وقوع جناية أو عملية اعتقال غير رسمية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى