حوارات

“مسامير الأرض”: حوار مع الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن

“مسامير الأرض”: حوار مع الروائي السوداني عبد العزيز بركة ساكن
سودان مورنينغ: وكالات

مارتشيلا روبينو – (أوريان 21) 14/4/2021

بدأ عبد العزيز بركة ساكن الكتابة في ثمانينيات القرن العشرين عندما كان جعفر النميري يحكم السودان، وقد وصل إلى سدة الحكم عقب انقلاب في العام 1989، وفي وقت خضع فيه الكُتّاب لرقابة شديدة. غادر السودان إلى مصر، حيث نشر كتبه الأولى التي لقيت نجاحاً كبيراً على الفور لدى القُرّاء السودانيين.
عند عودته إلى بلده، شغل وظائف عدة في الخدمة العامة قبل أن يُفصل بسبب رفضه تأدية الخدمة العسكرية. فبدأ العمل في المجال الإنساني في المنظمات الدولية. أُرسل خلال هذه الفترة في مهمة إلى دارفور لتدريب جنود حلف شمال الأطلسي والاتحاد الإفريقي في مجال حقوق الإنسان. وكان هؤلاء الجنود مسؤولين عن مراقبة سير الحرب التي دارت في دارفور (2003-2009) بين القوات الحكومية ومجموعات مرتزقة عربية معروفة باسم الجنجويد من جهة، والقبائل المحلية التي صنفتها حكومة الخرطوم كقبائل متمردة من جهة أخرى، وشملت الأخيرة بشكل رئيسي القبائل “الإفريقية”.
عند عودته إلى الخرطوم، روى تجربته في روايته الأكثر شهرة التي تُرجمت إلى العديد من اللغات “مسيح دارفور” (2013). وقد صودرت جميع كتبه وأجبرته التهديدات المتكررة على مغادرة البلد. واستقر في النمسا حيث حصل على لجوء سياسي. وبعد سنوات عدة، انتقل إلى فرنسا حيث يعيش حالياً.
تروي رواية “مسيح دارفور” قصة فتاة شابة شهدت مذبحة عائلتها في إحدى قرى دارفور التي دمرتها ميليشيات الجنجويد أثناء الحرب، فقررت أن تطلق على نفسها اسم عبد الرحمن وأن تلتحق بالجيش “المتمرد” من أجل الانتقام لعائلتها. من خلال هذه القصة ذات الأصوات المتعددة، تروي شخصيات مختلفة قصصها، مثل شكيري صديق البطلة، وهو شاب من دارفور التحق قسراً بالجيش النظامي قبل أن يعتقله المتمردون؛ وإبراهيم خضر، ابن الأمة السوداء بخيتة “سجم الرماد” التي بيعت إلى تاجر عربي حملت منه فأنجبت طفلاً اسمه إبراهيم، بشرته أفتح بقليل مِمن حوله، لكنه لم يكن يُعد عربياً. ثم جاء دور العمة خريفية التي تبنت الشابة عبد الرحمن واستقبلتها عندها بعد أن تعرضت للاغتصاب مرات عدة من قبل الجنجويد في ضواحي مدينة نيالا.
“عرب” مقابل “أفارقة”.. تمييز طبقي
في قلب الرواية، نجد النزاع بين مفهوم “العروبة” و”الحس الإفريقي” في السودان. فهل هذا النزاع حقيقي أم مختلق منذ البداية؟
في هذه المنطقة، التي بقيت لقرون عدة أحد أكبر تجمعات الرّق في القارة الإفريقية، كانت القبائل العربية والقبائل الإفريقية مرتبطة ببعضها بعضا بقوة بفضل قرون طويلة من الزواج المختلط والممارسات المشتركة. ويُستخدم مصطلح “عربي” للدلالة على السلالة النبيلة لقريب مزعوم للنبي محمد من جهة، وكمصطلح مهين يصف البدو الفقراء وغير المتعلمين من جهة أخرى. وتكمن المفارقة في أن بعض القبائل العربية لا تتحدث اللغة العربية. أما صفة “إفريقي” فإشكالية بالمقدار نفسه، إذ من المستحيل عملياً التمييز بين القبائل التي تنتمي إلى فئة القبائل العربية وتلك المنتمية إلى القبائل الإفريقية. أثناء الفترة الاستعمارية، فرضت قبيلتان عربيتان من وادي النيل -وهما الجعليين والدناقلة- سيطرتهما بفضل تجارة الرق التي كانت تُعد من أكثر أنواع التجارة ازدهاراً في المنطقة.
وبعد استقلال البلد في العام 1956، أخذت نخبة من هذه القبائل والقبائل المجاورة لها زمام الأمور في البلد. وفي أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، أصبحت دارفور مأهولة فجأة بالسكان بعد أن كانت منطقة شديدة الفقر ومنبوذة من قبل مركز البلد حول وادي النيل. وكان سكانها في نزاع مع الفئات القوية الموجودة في الخرطوم و”العرب” الذين كانوا يقدمون الدعم العسكري لهذه الفئات في دارفور، فكان عليهم ترويض سكان المدينة “الأفارقة” وإسكاتهم -وحتى إبادتهم.

• مارتشيلا روبينو: أنت من مدينة كسَلا في شرق السودان. كيف كانت العلاقات بين القبائل العربية والقبائل الإفريقية في مدينتك؟
– عبد العزيز بركة ساكن: وُلدت في كسلا، لكن حكايتي أكثر تعقيداً. أمي أصلها من تشاد، وبعد ذهابها لأداء فريضة الحج في مكة، بقيت عائلتها في المملكة العربية السعودية ثم انتقلت لتستقر في مدينة تقع على الحدود بين المنطقة التي كانت تُسمّى بالحبشة والسودان. وقرب نهاية الحرب العالمية الثانية، وبسبب المعارك بين الإيطاليين والبريطانيين في المنطقة، انتقلت عائلة أمي إلى السودان، إلى أقرب مدينة من الحدود مع إريتريا الحالية. أما والدي، فمن قبيلة المساليت التي كانت لها مملكتها المستقلة بين دارفور وتشاد. وتضم مدينة كسلا قبائل ذات أصول متنوعة للغاية: من شرق السودان وغربه وشماله، وقبائل قدمت من نيجيريا تملك أراضي في المنطقة. ولا توجد صراعات بين من نسميهم في مناطق أخرى من البلد بـ”العرب” و”الأفارقة”، إذ تنتمي غالبية قبائل هذه المنطقة إلى مجموعة قبائل البجا الموجودة أيضاً في إثيوبيا وإريتريا، وهم ليسوا “عرباً”. ولا يوجد لدينا في كسلا هذا التمييز العنصري الذي نجده في المدن الكبيرة في الشمال وفي دارفور.

• ما تاريخ هذا التمييز بين العرب والأفارقة في السودان؟
– وصل العرب إلى السودان على دفعات عدة. ووفقاً للقصص الشعبية، وصلت دفعة كبيرة عند سقوط الأندلس في القرن الخامس عشر. ووفق هذه الرواية، وصلت القبائل العربية إلى السودان قبل ستة قرون واستقرت في دارفور2 واختلطت بالقبائل الإفريقية المحلية كالمساليت والفور والداجو والزغاوة وغيرها من القبائل. وأدت الزيجات المختلطة إلى اختلاط هذه الشعوب التي تتشارك منذ قرون الأرض نفسها ولون البشرة ذاته، بحيث أصبح من المستحيل عمليّاً التمييز بين “العربي” و”الإفريقي”. وبعض القبائل التي صُنّفت لاحقاً بالـ”عربية” لم تكن حتى تتحدث اللغة العربية، بل لغات محلية كلغة الفارتا المستعملة في منطقة النيل الأزرق.
ظهر التمييز بين العرب والأفارقة بعد الاستقلال مع وصول الحكومات المتعاقبة إلى سدة الحكم، والتي فرضت تعريب البلد وأسلمته، وأعلنت السودان بلداً عربياً ومسلماً. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت العروبة التي تبناها جزء من الشعب والنخبة الحاكمة بالرغبة في السيطرة على إدارة البلد وثرواته. وتم تنفيذ سياسة التعريب، في دارفور على وجه الخصوص، بإشراك قبائل عربية أخرى قدمت من النيجر وتشاد ودول الساحل الأخرى، بعد أن سلّحتهم حكومات الشمال العربية الإسلامية ودربتهم على شن الحروب ضد الذين أصبحوا يطلقون عليهم بازدراء لقب “زُرقة” (أي السود).
ورثة العبودية
• ترتبط قضية العرق في السودان أيضاً بتاريخ الرق. هل يمكننا القول إنه ما يزال هناك آثار باقية لتجارة الرق في السودان؟
– لم يعد هناك وجود للرق في السودان. لكن آثاره ما تزال واضحة ومهمة في المنطقة. يرتكز أول عناصر التراتب الاجتماعي على لون البشرة (الجميع بشرتهم سوداء، لكنها تتباين من شخص لآخر بسبب الاختلاطات التي جرت مع عناصر إثنية بشرتها “أقل سواداً”. على سبيل المثال، لم تخضع قبيلة المساليت للاسترقاق، ولكن غالباً ما يُطلق وصف “عبد” على أعضائها حتى يومنا هذا بسبب لون بشرتهم الأسود الداكن. وفي هذا شيء من التناقض، إذ نعرف أن الرقيق لم يتميّزوا جميعهم بلون بشرة داكن. وكما نرى في رواية “مسيح دارفور”، فقد ولد الكثير منهم نتيجة معاشرة الأسياد ذوي البشرة البيضاء (كالأتراك العثمانيين والمصريين مثلاً) للنساء المستعبدات. ومن آثار تجارة الرق، نجد أيضاً أن تجار الرقيق السابقين ما يزالون يمتلكون ثروات البلد. وقد اضطلعت السلطة بدور مهم في الصراع القائم بين مصطلح عبد “إفريقي” وحُر “عربي”. ويتطرق الأدب السوداني كثيراً إلى هذه القضية لأنها رئيسية ومعقدة في الآن ذاته، وما تزال تُعد من المواضيع المحظورة في المجتمع السوداني.

• تتطرق أحياناً كثيرة إلى هذا الصراع الموجود بين العرب والأفارقة في رواياتك، حتى وإن كانت تعالج مواضيع أخرى. لماذا هذا الاختيار؟
– تجربتي في دارفور أثناء مهمتي التدريبية هي التي ألهمت روايتي. كنت أريد أن أبيّن للناس أن الحرب التي كانت تصفها أكاذيب الحكومة كصراع بين العرب والزرقة، بين البيض والسود، بين الرعاة والفلاحين، ليست سوى صراع بين المركز والأطراف؛ ضواحي دارفور المُهملة منذ عقود. أما روايتي الأخرى “الجنقو، مسامير الأرض” (2009)، فتتطرق إلى نوع آخر من التهميش؛ تهميش العمال الموسميين في الأراضي الزراعية. إنهم منبوذون من المجتمع المتمركز حول الخرطوم والذي يعتمد عليهم أيضاً من أجل ضمان بقائه. فمن دون هذه الطبقة العاملة والمُستغلة، لن يكون لدى البلد، ومركزه الأكثر ثراءً وتطوراً على وجه الخصوص، ما يكفي لإطعام الناس. ولهذا أسميهم “مسامير الأرض”، أي أولئك الذين يمنحونها الاستقرار ويحمونها من الجفاف.
الأدب والثورة
• هل للأدب القدرة على تصحيح الواقع الذي تزوره السلطات السياسية؟
– يمكنه ذلك لو كان متاحاً لعدد أكبر من الناس. لكن غالبية السكان ليس لديهم إمكانية الحصول على التعليم، وقلة من المتعلمين تهتم بالأدب. وعلى الرغم من ذلك، تركت رواياتي أثراً قوياً لدى النخبة الصغيرة المتعلمة والمثقفة. وعندما كتبت “الجنقو، مسامير الأرض”، اكتشف مثقفو البلد وجود العمال الموسميين الذين تدور حولهم الرواية. واليوم، يتم إجراء دراسات جامعية عنهم وتحمل جمعيات للشباب اسمهم. وأثناء المظاهرات التي أدت إلى (سقوط نظام عمر البشير في العام 2019)، كان المتظاهرون يحملون لافتات مكتوباً عليها: “الجنقو، مسامير الأرض”، لتدل على تماهي شباب الثورة مع مهمشي المجتمع بسبب محنة الشعب السوداني.
وحصلت رواية “مسيح دارفور” أيضاً على استجابة مهمة للغاية لدى هذه النخبة السودانية المثقفة. وقد اكتشفت من خلال هذه الرواية أن الصراع القائم في دارفور لم يكن صراعاً عرقياً، بل صراع سياسي استُخدمت فيه النعرة العرقية لخدمة أهداف استراتيجية لحكومة الخرطوم.
استطاع الأدب التأثير في البنية الاجتماعية والثقافية والسياسية أيضاً في السودان، ولو كان هذا التأثير محدوداً وخفيفاً. لكنه ما يزال بعيد المنال بالنسبة لغالبية المواطنين، وخاصة بالنسبة لأولئك الذين يشكّلون موضوعه الرئيسي. يبقى دور الأدب ضعيفاً بما أنه لا يتمتع بعدد كبير من القرّاء والنشر عالي المستوى وحرية تعبير، حيث كل هذه الأمور محدودة للغاية في السودان.
نقلا عن جريدة الغد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى