اعمدة ومقالات

عماد الدين ميرغني يكتب:رايح لينا الدرب!!!

في بلد فيه الأعمى شايل المكسر!!.

 

ما زالت الفترة الإنتقالية ضبابية المشهد، والرأي العام في ظل الظرف الراهن مشتعل بين مؤيد ومعارض ومتخوف في هذه الظروف الشديدة التي تمر على البلاد، من أزمات طاحنة تعصف بالمواطنين وزعزعة أمنية في عدد من ولايات السودان، وانهيار للنظام الصحي مع جائحة كورونا التي أرهقت العالم أجمع.

قد تكون الأسباب معلومة وواضحة للغاية أمام الكثير من المتابعين والقارئين للمشهد بدقة بالبحث المستمر والاطِّلاع على تتابع الأحداث. فنحن في زمن العولمة والتكنولوجيا، وفيها باتت الكثير من الأمور مكشوفة للعيان.

فالواضح أن دكتاتورية ثلاثين عاماً أفقدت الجميع البوصلة على مستوى الممارسة البناءة في الساحة السياسية، أو لنقل صناعة الفعل وإدارة المشهد، ثلاثون عاماً كانت الممارسة السياسية فيها تصب في قالب المقاومة فقط من جانب الأحزاب المعارضة، وفي فعل المساومة دون أي صناعة فعل من جانب الأحزاب التي شاركت النظام السابق، وفي فعل القمع والمكايدات وتفجير الصراعات من جانب الحزب الحاكم.

كل هذه العوامل أدت إلى تدني مستوى الممارسة السياسية وشبه انعدام لصناعة الفعل أو لإدارة المشهد بتلك الحنكة التي تمنح الجميع الطمأنينة نحو إستقرار هذه الدولة، فمهما وجدنا مكايدات تتذاكى فيها بعض الأحزاب في الإيقاع ببعضها البعض، إلا أن المتابع لجملة المشهد من خارج الساحة السياسية يرى بأن طبيعة الصراعات تتصف ب”بالسذاجة”.

فالمؤتمر الوطني المحلول نفسه، لم يؤدِ إلى سقوطه أمراً أكثر من الخلافات والصراعات التي نشبت بداخله بين أبرز قياداته السابقة، علي عثمان محمد طه من جهة ونافع علي نافع من جهة أخرى وابرهيم غندور من جهة وصلاح قوش من جهة أخرى وبكري حسن صالح من جهة وعبد الرحيم محمد حسين واحمد هارون من جهة أخرى، وحدّث ولا حرج عما كان يدور في البيت الداخلي للمؤتمر الوطني الذي كان أشبه ببيت العنكبوت (كما كان في وصف فتحي الضو).

والآن، أحزاب الحرية والتغيير في ظل الظرف الراهن تسير في ذات الطريق الذي كان يسير فيه المؤتمر الوطني. قد يكون الأمر غير مستغرباً في هذا التحالف، على اعتبار أن كل كتلة من الكتل المنضوية تحت مظلة التحالف لديها خطها السياسي المختلف من الكتلة الأخرى، وهو سر الصراعات الحالية.

لكن ما الذي جعل المشهد في الوقت الحالي أعقد مما كان عليه في السابق؟.

هذا ما حذرت منه الولايات المتحدة الأمريكية قبل عامين عندما أرسل دونالد ترامب مبعوثه للمخلوع عمر البشير، بأن عدم ترشحه للانتخابات التي كانت من المقرر أن تقام في العام الحالي هو المخرج لتلك المعضلة التي كانت تواجهها الدولة في ذلك الوقت، وإلا فإن الإحتمال الأصعب قد يحدث، وهو اندلاع ثورة شعبية تعصف بالنظام وكل منسوبيه، خصوصاً أن النظام في ذلك الوقت كان في أضعف حالاته بسبب الشروخ والإنشقاقات العميقة التي حدثت داخل كيان الحزب الحاكم في ذلك الوقت.

لم يكن تحذير الولايات المتحدة الأمريكية من فراغ، فهاهي الثورة الشعبية تستمر، ليعلن فيها الشارع السوداني نفسه لاعباً إضافياً في الساحة السياسية، الأمر الذي يجعل الراهن معقداً للغاية.

والحقيقة تكمن في أنه وبالرغم من وجود الشارع داخل هذا المعترك، ما زالت الأحزاب السياسية التقليدية والمتصدرة المشهد في تحالف الحرية والتغيير؛ تعيد إجترار صراعاتها القديمة من جديد في سبيل احتكار المشهد والتمكين في مفاصل الدولة لتعزيز قوتها على المستوى السياسي.

والكارثة أن الكثير من ثوار الشعب يفهمون هذه الحقيقة، وهم في الوقت الحالي ساخطون على الأحزاب المتصدرة في تحالف الحرية والتغيير، عِلماً بأن الكثير من الأحزاب في داخل مظلة التحالف لم تنل حظها في المشاركة في اتخاذ القرار.

وبجانب كل الظروف الداخلية التي تجعل من الراهن السياسي معقداً، فإن الظروف الخارجية هي الأخرى تجعل المشهد أكثر تعقيداً. فالواضح أن ثمة اتجاهات عديدة تريد أن تحقق الإستقرار في السودان؛ ليس لأمر سوى أن تتمكن من تحقيق الموازنة على المستوى السكاني في مناطقها، مثلما هو الحال مع الإتحاد الأوروبي الذي عانى الأمرّين من الحروب التي دارت رحاها في الشرق الأوسط، وأسفرت عن تهجير كم كبير من البشر نحو القارة العجوز، مثلما هو الحال مع سوريا.

الولايات المتحدة الأمريكية هي الأخرى بقيادة ترامب؛ تسير في تحقيق توجيه رئيسها الحالي المثير للجدل لأن تحارب كل أسباب تهجير السودانيين؛ بعد أن أصدرت قراراً بسحب إسم السودان من قرعة الهجرة للولايات المتحدة الأمريكية، كما أنها تفكر في عدم تكرار تجارب سوريا واليمن وليبيا نظراً للكلفة المالية والسياسية التي دفعتها نتاج الصراعات العسكرية التي باتت ثقيلة للغاية وهي تدور في ذات الوقت، خصوصاً أن السودان بحكم موقعه يملك أهمية إستراتيجية كبيرة على الأمن والسلم الدولي على مستوى الشرق الأوسط وأفريقيا.

محاور أخرى حاولت السير في دعم الجناح العسكري لتكريس تجربة عبد الفتاح السيسي في السودان بحسب ما تم تداوله منذ سقوط النظام البائد وحتى الآن. فثلاثية الإمارات والسعودية ومصر، هي المحور التي تصدرت المشهد عقب سقوط نظام عمر البشير، علماً بأنها كانت تسير في تعزيز مصالحها مع نظام البشير الذي فضّل أن يفتح الباب مع هذا المحور بجانب علاقاته مع المحور الآخر وهو ثنائية قطر وتركيا.

أثيوبيا من جهتها بقيادة آبي أحمد تسعى إلى تحقيق الإستقرار في السودان بأي ثمن، منذ الجهود التي بذلها رئيس الوزراء الأثيوبي في العام الماضي لإعادة فتح التفاوض بين الحرية والتغيير والمجلس العسكري، والتي انتهت بتوقيع الطرفين على اتفاق تشكيل الحكومة الإنتقالية في السابع عشر من أغسطس الماضي.

كل هذه القراءات والمشهد في الداخل يزيد تعقيداً بالكيفية الساذجة التي تدار بها هذه الدولة بكامل منظوماتها؛ بشقيها السيادي ومجلس الوزراء. وهذا يعني أنه حرفياً “رايح لينا الدرب” في بلد فيه “الأعمي شايل المكسر”.

لكن ما هي الحلول التي تمكننا من تجاوز هذا الراهن المعقد؟، سؤال لا يستحق أن يُطرح ويترك هكذا، بالمباردة بمحاولة الإجابة على السؤال هو ما يجب أن يحدث في الوقت الحالي. علماً بأن الإجابة وحدها ليست كافية، فالعمل والتطبيق للإجابات الشافية هو من صميم هذه الثورة التي جاءت للتغيير؛ وليست لإسقاط النظام فحسب.

ولنترك مجال الإجابة للسطور القادمة…..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى