اعمدة ومقالات

حمدوك، هل هو مؤهل للتوسط في انقسامات قوى ثورة ديسمبر؟ بقلم عبدالله رزق

حمدوك، هل هو مؤهل للتوسط في انقسامات قوى ثورة ديسمبر؟
بقلم
عبدالله رزق
[email protected]

الدكتور عبدالله حمدوك، ليس محايدا سياسيا، ليكون مؤهلا للتوسط بين القوى المنقسمة، حول سياساته، ابتداء، لإعادة توحيدها. فهو طرف فاعل في الساحة السياسية، ويتحمل جزء من المسؤولية، تجاه الإنقسامات التي تشهدها. لذلك فإن مبادرة حمدوك لإعادة توحيد قوى الثورة، ممثلة في تحالف قوى الحرية والتغيير، كان ينبغي أن تنطلق من موقع النقد الذاتي، لدور حمدوك وسياساته، في انقسام قوى الثورة، وتشرذمها، وتناحرها، واصطراعها فيما بينها. فالدكتور عبدالله حمدوك، اختارته قوى الثورة، ممثلة في تحالف قوى الحرية والتغيير، ليكون رئيس الحكومة الانتقالية، وذلك بناء على نصوص الوثيقة الدستورية. وتأسيسا عليها، ايضا، فإن حمدوك معنى بتنفيذ سياسات وبرامج تحالف قوى الحرية والتغيير، ويتعلق بذلك معيار نجاحه أو اخفاقه في مهمته الدستورية. غير أن ذلك لم يحدث. ففي غياب، أو تغييب المجلس التشريعي، المعنى بمراقبة أعمال السلطة التنفيذية، ومساءلتها، وَبالتشريع، ، أصبح حمدوك يستقل شيئا.. فشيئا، عن قوى الحرية والتغيير، متسببا، في أبرز الشروخ في جسد السلطة الإنتقالية، بينها وبين حاضنتها الافتراضية. وخلافا للديموقراطية، والإدارة الديموقراطية، تميز حكم حمدوك بعدم الشفافية، والتفرد في اتخاذ القرار، وفي تبني سياسات غير متفق عليها، وتقويض مبدأ التوافق الذي تنهض عليه الفترة الانتقالية. وهو مدخل الأزمة التي تعيشها البلاد، أزمة الحكم الانتقالي، بالدرجة الاساس. وقد تمظهر ذلك في ابتعاد حمدوك عن الحاضنة السياسية، وتقاربه مع المكون العسكري،بما ينطوي عليه ذلك من إضعاف للمكون المدني، وإبتعاد السلطة الإنتقالية عن جماهير الثورة، كابرز ملامح الانقسام. لقد عاشت البلاد على “اعصابها”، عقب ما تردد عن خلاف بين رئيس المجلس الانتقالي ونائبه، وبين الجيش وقوات الدعم السريع، وهو أمر سارعت الأطراف المعنية إلى تكذيبه، في وقت اوغل الخلاف بين المكون المدني والمكون العسكري، لمدى بعيد، بدلالة استقالة الأستاذة عائشة موسى من مجلس السيادة. ومع ذلك، فقد استمر المكون العسكري، في التشبث بقيادة الفترة الانتقالية، بدلا من تسليم القيادة للمدنيين، منذ ١٧ يونيو الماضي، وفقا للوثيقة الدستورية.
هذا النهج غير الديموقراطي، غير المسيطر عليه، في إدارة البلاد خلال الفترة الانتقالية، هو ما سمح ببروز مراكز قوى، داخل الحكم الانتقالي، بعضها مدعوم من الخارج، تتنازع السلطة فيما بينها. وعادة مايشار بأصابع الاتهام كلها لحمدوك، في التخلي عن صلاحياته كرئيس للوزراء، وعن صلاحيات مجلس الوزراء، للمكون العسكري، في مجلس السيادة، الذي تحول من وضع تشريفي إلى سلطة تنفيذية تمسك بملفات مفتاحية، من قبيل، الأمن والشرطة والجيش، والسلام، والسياسة الخارجية، وبعض المفاصل الهامة في الاقتصاد الوطني، وتعرقل تنفيذ برامج وشعارات الثورة.
لقد انتهك الدكتور عبدالله حمدوك نفسه، الوثيقة الدستورية، الأمر الذي تعزز بممارسات مماثلة من قبل المكون العسكري، عندما تخلي عن السياسة الاقتصادية المقترحة من تحالف قوى الحرية والتغيير، بجانب توصيات المؤتمر الاقتصادي، لصالح برنامجه الخاص، القائم على الاقتصاد الحر، والمتماهي مع سياسات الصندوق والبنك الدوليين.
ويعود لخيارات حمدوك، سواء المتعلقة بالاقتصاد الحر، أو بالتطبيع مع الكيان الصهيوني، بشكل خاص، الدور الملموس في التشظي الذي تشهده الساحة السياسية، وصراع مكوناتها، حول الموقف من سياسات رئيس الوزراء، والذي يتراوح مابين الدعوة لإصلاح السياسات، أو تغيير الطاقم الاقتصادي لحمدوك، ومابين الدعوة لإسقاط الحكم الانتقالي، بمكونيه المدني والعسكري. وقد رافقت هذه الإنقسامات تحركات عديدة في الشارع للتعبير عن رفض خيارات حمدوك الاقتصادية، التي فاقمت التردي في الأوضاع المعيشية للمواطنين، وكشفت التدهور المريع في شعبية الحكم، وانحداره نحو العزلة.
أن فشل حكومة حمدوك في تقديم معالجات سريعة وعاجلة لازمات البلاد الملحة، ممثلة في السلام و الأمن والاقتصاد، والأزمة الصحية، كوفيد-١٩، قد أصبح مهددا لاستقرار البلاد، وهو الأمر الذي تنبغي مواجهته، بأعلى مستوى من الجدية والمسؤولية. ويقتضي، ذلك، ابتداء، التقيد بالوثيقة الدستورية، من قبل مكوني السلطة الانتقالية. ان القول بعطب الوثيقة، لا يبرر تمزيقها والخروج عليها، وإنما يصلح منطلقا لاصلاحها وتنقيحها ، وفق أحكامها. ومن ثم إصلاح الشراكة الثنائية، من منطلق التمسك بها، بإعتبارها، أداة إنجاز مهام الفترة الانتقالية. والتمسك، كذلك، بوحدة قوى الثورة، في أطار تحالف قوى الحرية والتغيير.
لقد بذلت جهود منسقة ومكثفة، طوال العامين الماضيين، من أجل ابلسة تحالف قوى الحرية والتغيير، وتحميله كافة إخفاقات وقصور الحكم الانتقالي، توطئة للاجهاز على التحالف. وقد تعددت الدعوات وتنوعت، وتزايدت في الآونة الأخيرة تحت مسمى إصلاح التحالف، أو حتى إيجاد بديل له. ولعل مبادرة السيد رئيس الوزراء، تمثل، بشكل أو آخر، تتويجا لتلك الدعوات والحركات الموازية لها، أو أنها تستثمر في ذلك الجو المريب، الذي تشارك في صناعته قوى الردة بنصيب الاسد، بالقفز من أزمة الحكم إلى أزمة الحاضنة السياسية الافتراضية، للحكم. إذ معالجة أوضاع قوى الثورة، لا ينبغي أن تغطي على أولوية معالجة أوضاع الحكم الانتقالي،بمكونيه،العسكري والمدني، برده إلى صراط الوثائق المؤسسة للشراكة ونهجها القويم، واستكمال بنيان السلطة الإنتقالية، بقيام المجلس التشريعي والمفوضيات والمحكمة الدستورية… الخ.
. من نافلة القول، انه لا بديل لتحالف قوى الحرية والتغيير، سوى تحالف قوى الحرية والتغيير. فالتحالف، الذي يحوز وضعه المتميز داخل الفترة الانتقالية، كشريك لا غنى عنه، هو أحد الطرفين الموقعين على الوثيقة الدستورية. ولذلك فإن الخيار المتاح، في أطار الشراكة الثنائية، بين المكونين المدني والعسكري، المؤسسة على الوثيقة، هو إصلاح التحالف، من داخله ومبادرة من مكوناته، وليس من خارجه ومن مواقع السلطة تحديدا، ولا هدمه، فوق رؤوس الجميع، ، ومن ثم هدم المرحلة الانتقالية برمتها. فالغاء تحالف قوى الحرية والتغيير، لصالح بديل يتناسب مع تحولات السلطة الإنتقالية، ونزوعها نحو الاستبداد، يعني إلغاء الشراكة، ووضع البلاد أمام عتبة المجهول.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى