اعمدة ومقالات

وليد العوض يكتب: تعيين الولاة ..الأثر الباقي

وليد العوض

(1)

وجه رئيس الوزراء باستمرار الولاة العسكريين في اداء مهامهم لحين تعيين الولاة المدنيين ؛ التوجيه جاء بعد موكب 30 يونيو ومطالب استكمال الثورة ومؤسسات السلطة الانتقالية وانجاز السلام ؛ وبعد  واجتماع رئيس الوزراء مع الولاة بعد أن تسربت الي الميديا عزم الولاة تقديم استقالتهم والعودة الي الثٌكنات العسكرية ؛ وفي كل موكب تطل مسألة تعين الولاة المدنيين والمجلس التشريعي واكمال الثورة المدنية .

(2)

استكمال الثورة بتعين الولاة والمجلس العسكري مرتبط بالحكم الاتحادي ابرز ما أنتجته الانقاذ في نسخة الشرعية الثورية 1993 والغاء نظام الاقاليم والمديريات الساري منذ الاستقلال وحتى العام الثاني من وصول الانقاذ ؛ فلسفة منظرو الحكم الاتحادي الاسهام في تقليل الظل الاداري وانزال اللامركزية ؛ ومع ذلك صار الحكم الاتحادي والولايات عبئا سياسيا خصم من مشروع الانقاذ السياسي اذ تم وضع خارطة الولايات على أسس تقسيم جغرافي غلبت عليه القبلية الامر الذي انتج الكتاب الاسود وازمات اقليم دارفور والمنطقتين والشرق بتداعياتها السياسية والعرقية .

(3)

مسألة تعين وانتخاب  الولاة أدخلت النظام السابق في مأزق سياسي ؛ ففي العشرية الاولى من الانقاذ لعبت جدل تعين وانتخاب الولاة دورا في مفاصلة الاسلاميين 1999  حيث وقف تيار المنشية مع خيار الانتخاب بينما تمسك تيار القصر بالتعيين ؛ المأزق الثاني الذي واجه الانقاذ في انتخابات الولاة في 2010 حيث دخل حزب المؤتمر الوطني ورئاسة الجمهورية في خلافات حادة مع كرم الله  الشيخ والي القضارف المنتخب الذي نقل مكتبه وامانة حكومته الي منزله ودخل في معركة اعلامية تتطاير شرارتها وخصمت من رصيد الحكومة والحزب وانتهت باقالة كرم الله ؛ وفي ولاية جنوب دارفور شهدت نيالا مظاهرات عاصفة بعد إقالة عبد الحميد كاشا الوالي المنتخب وتم اعاقة عمل الوالي المعين ودخلت الولاية في صراع الاجنحة؛ وفي ولاية شمال دارفور شهدت صراع بين الوالي عثمان كبر وموسى الي مستويات من التصعيد حتى هدد موسى هلال وطالب بإقالة كبر وغيرها من مآزق الانتخاب والتعيين على اثر الحكم الاتحادي .

(4)

في جدل انتخابات 2015 والعودة الي تعيين الولاة ومعالجة ثغرات الانتخاب في 2010 دخل المؤتمر الوطني مأزق جديد شهدته ولايات الجزيرة والبحر الاحمر وكسلا ونهر النيل ؛ تمحور الخلاف بين مجموعات داخل الحزب والوالي باعتباره رئيسا للحزب في الولاية ؛ على اية حال ظلت معركة وخلافات الولايات وتأثيرها على تماسك خطاب وسياسة النظام السابق منذ مفاصلة الاسلاميين وحتى جدل انتخابات 2020 والمطالب بإعادة نرشيح البشير الذي ابتدرته ولاية كسلا ودفعت به للاعلام في شكل اعلان مدفوع القيمة بتوقيعات الكيانات المجتمعية ومن بعدها دشن الرئيس البشير خطابات الجماهيرية من الولايات الامر الذي اعتبره البعض تدشينا لحملة انتخابية .

(5)

في راهن الانتقال والثورة اقرت الحاضنة السياسية والحكومة الانتقالية تعين الولاة والمجلس التشريعي مؤسسات لاستكمال السلطة والثورة ؛ وشكل هذا الخيار حالة من التوتر الاعلامي والسياسي بين الشراكة المدنية والعسكرية من جهة وأخرى مع الحركات المسلحة المتمرس خلف مطالب السلام ومساراته المناطقية ؛ وعلى ما يبدو أن قوى الثورة لم تنتبه الي مأزق الحكم الاتحادي وتعقيداته السياسية والاجتماعية وما شهدته الولايات من صراع واقتتال قبلي الذي يعد انعكاسا لسلبيات الحكم الاتحادي الذي لم تحدث فيه قوى الثورة وسارت على اثر الانقاذ دون أدنى تغيير حتى منهجية التفاوض مع الحركات المسلحة وهو التفسير المنطقي لبطء عملية السلام وتعذره في آجاله التي حددتها الوثيقة الدستورية وما حددته الوساطة حتى لجأت الي التمديد المستمر وتعليق تعيين الولاة المدنيين وربطه بالسلام وخلافات الحكومة والحاضنة مع رفقاء الكفاح المسلح !

(6)

الآن وجه رئيس الوزراء باستمرار الولاة العسكريين واقر الناطق الرسمي للحكومة الانتقالية بتعقيدات وصعوبات في الولايات ؛ الاستمرار يتزامن مع حالة من الاحتقان والانقسام داخل مكونات الحرية والتغيير كما هو في تجمع المنهيين وتعدد مراكز الاجنحة الثورية في الولايات وانعكاسات هذه الخلافات التي تهدد وحدة الحاضنة السياسية للحكومة والثورة .

(7)

استكمال مؤسسات السلطة الانتقالية من ولاة مدنيين ومجلس تشريعي بما هو مطروح ومبذول في مطالب قوى الثورة دون اجراء مراجعات في مسألة وبنية الحكم الاتحادي مخاطرة سياسية ربما تحدث انقساما ومفاصلة داخل الحرية والتغيير ؛ فالمؤتمر الوطني الذي يعبر عن رؤية احادية وفقا لمنطلقاته السياسية تحطمت طموحاته وتطلعاته ودعايته في الولايات وتم تدوير  صراع أجنحته لاضعاف خطابه السياسي والاعلامي وانعكس على أداء حكومة الولايات التي انطلقت منها عملية التغيير ؛ اما قوى الحرية والتغيير تحالف يحمل في احشائه رؤى احزاب وكتل سياسية لا تُجمع على  اي فكرة مركزية لادارة التغيير حتى الحد الأدني الذي كان يجمعها  (إسقاط النظام) اصبح بائدا ومن الماضي وتذكرة .

(8)

تعقيدات وتحديات تعيين الولاة والمجلس التشريعي التي يمثلها الحكم الاتحادي وتصاعد الخطاب المناطقي ؛ وتأخير وبطء  عملية السلام ؛ وتأثر الولايات بالنزاع والصراع القبلي ؛ والازمة الاقتصادية ونقص الخدمات في الولايات ؛ اضافة الي نقطة جوهرية وهي أن خطاب الاعلامي والدعائي لقوى الحرية والتغيير موغل في المركزية وهو ما يتسق مع حديث الناطق الرسمي على هامش لقاء الولاة المكلفين مع رئيس الوزراء الانتقالي بأن هنالك اكثر من تجمع مهني واجسام ثورية في الولايات ؛ ومن التحديات التنظيمية داخل الحرية والتغيير هو معيار اختيار الوالي بالكتل والمحاصصة ؛ الكفاءة او غيرها في ظل تعدد التحديات والتنظيمات .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى