اعمدة ومقالات

برير محمد النور المحامي يكتب:العقوبة زجر وتهذيب

 

إن كل فعل مجرم بموجب قانون تقابله عقوبة تتناسب ونوع الجريمة الناتجة عن الفعل , فالجريمة قد تقع بالفعل أو الامتناع عن فعل كان لزاماً القيام به , وقد أختلف فقهاء القانون الحديث في وضع تعريف موحد للجريمة ولم تضع أي من الاتفاقيات الدولية تعريف موحد للجريمة ويختلف التعريف القانوني عن التعريف الاجتماعي أو المجتمعي للجريمة , كونها فعل أو أمتناع عن فعل يمس مصلحة المجتمع وثوابته ويشكل خرقاً لها . 

إلا أن جميع التعريفات اتفقت على أن العقوبة هي الجزاء الذي يوقعه القاضي على شخص نتيجة قيامه بفعل شكل جريمة منصوص عليها في القانون ومعاقب عليها وقد يكون هذا الجزاء بدنياً كالإعدام والجلد أو مالياً كالغرامة أو سلب للحرية كالسجن وتسمى جميع هذه الجزاءات  بالعقوبات الأصلية , وهناك عقوبات تبعية مثل  الحرمان من الحقوق والمزايا و العزل من الوظيفة والمصادرة , وهناك عقوبات أخرى بديلة عن جميع هذه العقوبات يمكن للقاضي الحكم بها في مواجهة المتهم (الجاني ) حيث أن القانون لم يوضع للزجر والانتقام والثار , إذ أن الهدف الاساسي من وضع القوانين هو المحافظة على مصلحة الجماعة والفرد . 

فلجوء القضاء إلى تقييد حرية الفرد في بعض الحالات يعتبر خلاف الأصل العام، وهو ليس من أجل إيذاء شخص بعينه، بل لأجل تحقيق الأمان و الحرية لجميع أفراد المجتمع الآخرين, وهذا المبدأ يعم العقوبات الأخرى التي يلجأ إليها القضاء في بعض الحالات وبالنظر إلى موقف القضاء من العقوبات في الجملة نجد أنه لا يهدف إلى إيقاع العقوبات بالفرد أساساً، بل إنه يضع سياجاً منيعاً دون إيقاع أي عقوبة وذلك بوضع الشروط الدقيقة لثبوت موجبات العقوبة من جهة, ووضع الشروط الدقيقة أيضا لتنفيذها بعد ثبوتها من جهة أخرى, ويتضح ذلك من خلال تقرير قاعدة “درء الحدود بالشبهات”, والأخذ بقاعدة “لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص”، المؤيدة بالقاعدة الشرعية الأخرى التي تقول إن “الأصل في الأشياء الإباحة”. 

وإذا كان الحبس من العقوبات التي يلجأ إليها القضاء ، فإن النظام الإسلامي لا يتشوف إلى تنفيذ هذه العقوبة وإنما يجريها وفق المبادئ و القواعد السالفة كغيرها من العقوبات, وهو من جهة أخرى يأخذ بكل الوسائل التي تحقق المصالح أو تدرأ المفاسد بشرط ألا تتعارض مع ثوابت الشرع ، ومن ذلك أنه يوجد لعقوبة السجن بدائل تغني عنها، حينما يكون إيقاع العقوبة مع وجود البديل المناسب حيفاً في حق الجاني، على أن تكون تلك البدائل متماشية مع كل مجتمع حسب طبيعة الجريمة، ونوعية المجرمين فيه، وذلك أن إختلاف أنظمة أي مجتمع وقوانينه وثقافته يوجد فيها تبايناً واختلافاً في ملاءمة البدائل من بيئة إلى أخرى وقد اتخذت بعض القوانين المحلية هذا المنحى مذلك بتشغيل المحكوم عليه خارج السجن بعمل بلا مقابل لإحدى الجهات الحكومية أو البلدية مدة من الزمن مساوية لمدة العقوبة. كما أعطى المشرع للقاضي السلطة التقديرية في تحديد الغرامة المالية حسب الحالة المادية للمحكوم عليه، علاوة على ذلك فقد أجاز له أيضاً أن يجاوز الحد الأقصى المحدد للغرامة بما لا يزيد عن ضعفه إذا رأي محلاً لذلك .

 

                                                       بريرمحمدالنور 

                                                             المحامي 

 

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى