اعمدة ومقالات

طارق المغربي يكتب قصة من الذاكرة

أما بعد

ٰ

سأحكي لكمـ قصة… ربما من أعجب ما تكون ..في سنة ١٩٩٨ هاج النيل وفاض حتى أغرق جزيرة صغيرة – شمال جزيرة ارتولي- بالكامل فخرج أهلها للبر الشرقي للنيل.. فجاءنا وفد من مؤسسة خيرية.. وكنت ضمن الوفد الزائر لتقييم الأضرار والاحتياجات العاجلة لأهل الجزيرة فالتقينا بشيخ فريق من فرقان الجزيرة.. وبعد زيارة ميدانية قصيرة كنا قد أتممنا تقدير حجم الأضرار والاحتياجات اللازمة.. كان في وداعنا الرجل وعدد من وجهاء الفريق الغريق، ودخل وقت صلاة العصر.. وبعد أداء الفريضة تعجّلنا الرجوع إلى مدينة عطبرة للقاء المسؤول المختص، والمبيت في نزل فندقي .. وبعد الاجتماع اضطرنا رئيس وفد المؤسسة الخيرية إلى الرجوع لـلجزيرة، وعند عودتنا وجدنا راعي الفريق يتفقد الأسر المتضررة ويقدّم لهم ما تيّسر من مؤونة.. ويبدو أنّ رئيس وفد المؤسسة قد أحسّ بتباين في تقديرات المسؤول الذي التقيناه، وشيخ القرية بعد الاستماع إليهما .. وقرّر تقديم معونة مباشرة إلى أهل الجزيرة دون انتظار الجهات ٦الرسمية.. وبالفعل كان قد تمّ ارسال جزء من الوفد لشراء الاحتياجات الضرورية والعاجلة.. وعقيب انتهاء الاجتماع بشيخ (الفريق) للمرّة الثانية.. استعجلنا رئيس الوفد الزائر في العودة إلى مدينة عطبرة.. فأقّسم علينا الشيخ بالمبيت وتناول وجبة العشاء فالزائرُ في يد المَزورِ.. ولم تفلح كل رجاءاتنا واعتذاراتنا في إثنائه عن قسمه.. والاكتفاء بتناول الماء وشرب الشاي.. وتحت اصراره الشديد و (العنيد) خضعنا جميعنا لرغبته والحاحه.. ونحن نعلم رقِة حاله وقِلة زاده إذ أنهم لمـ يخرجوا من حطامـ قريتهم بشيء يُذكر أو يؤبه به.

لن تصدقوا إنْ قلت لكمـ ذبح لنا شاة من الشياه القليلة الناجية من الغرق.. إكراماً لوفدنا الزائر، ونحن في عجب من جميع أمره.. وبالغ كرمه.

كيف لأناس عِدموا كل شئ تقريباً أنْ يكون بمثل هذا الايثار والكرمـ المبالغ فيه والذي فاق به حاتماً الذي يملك وهو لا يملك.. واضيف لعلمكمـ أنّه لم يكن يعلم ما مدى (المعونة) التي سنقدمها لأهله وعشيرته، ولا قدرها ولمـ يسأل عن ذلك البتة..
سوى أنّه شكر مقدمنا وتفقدنا إياهم وتضامنا معهم .. وقد تعلمون أنّ الكثير من المنظمات الطوعية تبذُل وعوداً..
لاتستطيع الوفاء بها.

بلغ من حفاوة وفد المؤسسة الخيرية بهذا الموقف النبيل نبل الرجل – رغماً عن المسغبة- أنْ ضاعف المساعدات المقدّمة لأهل الجزيرة بسبب هذه الإثرة العظيمة.

{ إنّ السودانيين ليسوا من سحنة عامة البشر.. فهمـُ ثريا الأرض دون ثراها }

“أهل الحارة.. ديل أهلي”

حقُ لإسماعيل حسن ‘رحّمـه الله’ أنْ يفخر بالسودان، والسودانيين.. أهل الجود والكرمـ والشجاعة والمروءة والنبل والعفاف والقيـم.
____________
[email protected]

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى