اعمدة ومقالات

  نزار عبدالله بشير يكتب __ بقايا صور 

 

” يغرب العمر كما تغرب الشمس، لكنها تعود كل صباح، بينما العُمر يواصل رحلته بلا عودة؛ ما يغادر من أيام لا يأتي مجدداً.. “

( أسامة الشيخ إدريس)

العودة للذاكرة بين الحين و الآخر أمر نتشاركه جميعاً نحن الذين نعيش علي سطح هذا الكوكب، ربما لنتذكر شخص ما، أو لإستعادة موقف ما، أو ربما هو حنينٌ عابر كذاك الذي يغشى الإنسان حين يشعر بالغربة..

لا أحد يفهم لماذا نتعمد أن نعود للوراء؛ و نحن نعلم تماماً أن تلك العودة ربما تكلفنا الكثير، من دموع و فقدان للحاضر، و قد تكلفنا حصار لحظي و أسر يتطلب ساعات لننفك من قيوده؛ و كأننا نتلذذ باللحظات المؤلمة و المفرحة تلك…

منذ أن إخترع الإنسان التصوير، و هو يكلف نفسه عناء الإحتفاظ باللحظات و تجميد الزمن، للعودة إليها وقت الحاجة، على ما في ذلك من متعة إلا أن فيها ألم و تحسر على ما ضاع و فات و كأننا ننكر فعل الزمن و تقدم السنوات، نتحسر على الأعمار التي تمضي وقت أن تتحدانا الحياة و نحن للماضي الذي عشناه فرحاً فنفتح (إلبوم الصور) فنصطفي لحظات الفرح، و إن أهدانا الحاضر سعادة نعود للماضي و نختار أتعس لحظاتنا و نتباكى على الذين فقدناهم على صوت هاشم ميرغني :

” تاري لما دروبنا لمّت..

لينا كانت خاتة فُرقة.. “

و بين الحنين و التذكار نتوه في مدارات الذاكرة و نقفز بالتذكر بين وجوه الذين قابلناهم في ما مضى من أزماننا، حتى و إن كانت صورنا القديمة، المهم في الأمر أن نتحسر علي ما مضى…

ها أنا قبلكم أقف على أطلال اللغة فأختار مفردات لا أعرف إن كانت تناسب اللحظة أم هي ذاتها قد أضحت من الذكرى و قد بدّل الوجدان مؤثر غيرها.. !!

و لكن على كل حال هذه حالنا مع الذين فقدناهم في رحلة العمر، و كأننا محطات إنتظار على رصيفٍ مهجور، رصيف كان وطناً للجميع فهنا تلاقى حبيبن و هنا توادع صديقين، الآن لا شئ فيه، مجرد هياكل مخيفة يخشى أن يمر بجانبه أحد.. هو ذاته أمسى يخشى أن يراه أحد فيعيش ما تبقى من فناءه لا يراه أحد و لا يريد أن يغشاه أحد..

كشوقِ المسافرين لكل الأيادي التي لوّحت لها بالوداع في موفقٍ عابرٍ أنت تشتاق لأن تعود طفلاً بريئاً لا يهمك الوقت الذي ينقضي دون أن تخشى فواته، أن تعيش دون شاغلٍ يمنعك من متعة اللحظة، تنام فور وضع رأسك على الوسادة، أن تهرب من كل المعارك التي تبدأ فور بدء تفكيرك بالنوم، كشوقِ كل المهاجرين الذي أرتهم المنافي جفاءها فحلموا بأن يعانقوا تراب الوطن للمرة الأخيرة قبل أن يداهمهم الموت و هم في ذلك الصقيع، كحنين أم لمعانقة صغيرها و هي تودعه للمرة الأخيرة، أن تحنُ إلى ذلك الذي شغل تفكيرك ألف مرةٍ.. ككلِ شئ عابرٍ تمضي يومك دون أن تدري أن هذه اللحظات لن تعود و أنها قد حُسبت من عمرك الذي ستتمنى يوماً لو أنه يتوقف..

لله دَر هذه الأيام التي تسير دون أن نعي فيها شيئاً، فقط تمضي و تتآكل فيها أعمارنا، و نحن كذلك نرجوها أن تمضي بسلام دون أن تهدينا حزن جديد.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى