تقارير وتحقيقات

هجمات متكررة لمليشيات أثيوبية على حدود السودان

الفشقة.. صراع السنابل والقنابل

تحقيق: عمر دمباي

“غيمات ماطرات” يتكئن على صدر سماء المدينة الصغيرة على الحدود الشرقية لـ(السودان)، مدينة “الفشقة” ، اصوات المزارعين باللغات المحلية تنخفض كلما انتصف النهار، كل عام يفلحون الأرض ليخرجوا خيراتها، ولكن مع إقتراب هذا الموسم، سرعان ما ينقلب فرحهم ، حزنا ومأساة، حيث تهاجم مليشيا مسلحة مواطني تلك الارض المثقلة بالفيض الغفير، وتصبح الارض الخصبة بركة دماء، ولكن صادف هذا العام ، تغيير سياسي كبير في السودان، وتوترات على صعيد المنطقة بسبب “سد النهضة”، عندما هاجمت المليشيات المزارعين هذا العام تصادف عيون مترقبة لما سيسفر عنه الصراع .

لم يكن مقتل ضابط بالقوات المسلحة السودانية في منطقة (بركة نورين) بولاية القضارف إلا بداية فصول لتوترات من نوع آخر، وعلى غير العادة ضاعفت السلطات السودانية تواجدها العسكري بالمنطقة المتاخمة لدولة إثيوبيا معلنة تغيير لغة الخرطوم عن السابق، وبرز ذلك في اتهام صادر عن الجيش أن الهجوم على المنطقة الذي شنته عصابات الشفتة الإثيوبية مدعوم من الجيش الإثيوبي، لكن أديس أبابا تفاجأت بعد ثلاثة عقود من الزمان برد عنيف من الجيش السوداني على تلك القوات، ففي الوقت الذي يضغط كل طرف بأصبعه على زناد البارود يستمر الصراع قائما بالشق المدني بين مزارعي البلدين إما بتجهيز المزارعين السودانيين لأراضيهم من أجل الموسم الزراعي أو بتوغل جديد للطرف الإثيوبي ومواصلة ما بدأه من زراعة لمساحات ظل يحتكرها طيلة الأعوام العشر الماضية، ومنذ ذلك الوقت ساد نوع أشبه بالقطيعة الدبلوملسية، قبل أن يكسر نائب رئيس مجلس السيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) الصمت من قبل الجانبين وتحط طائرته بأديس أبابا.

لغة حادة

الفشقة التي تشهد توترات منذ سنوات زادت وتيرتها مؤخرا بعد الهجوم على منطقة بركة نورين ومقتل ضابط في القوات المسلحة السودانية برتبة “نقيب”، لتصبح منطقة تواجد عسكري كثيف من قبل القوات السودانية التي زادت من تواجدها أضعاف مضاعفة عما كانت عليه في السابق، وتغيرت لغة الخرطوم تجاه أديس أبابا وباتت أكثر حدة بعد الهجوم على بركة نورين، واتهمت قيادة الجيش السوداني عبر بيان رسمي صدر من الناطق الرسمي الجيش الإثيوبي بمهاجمة أراضيه عبر دعم عصابات الشفتة الإثيوبية، تلك اللغة لم تعهدها أديس أبابا من الخرطوم منذ ما يقارب الثلاث عقود.. بعد تلك النبرة الحادة التي جاءت من السودان والرد السريع من قبل قوات الجيش السوداني على القوات الإثيوبية، بات الوضع على الحدود بين البلدين يشوبه الحذر، حيث يراقب كل طرف الآخر ويده على زناد البارود في انتظار قرار من الخرطوم أو أديس أبابا، لكن مع دخول الموسم الزراعي خاصة في القضارف واستعداد المزارعين السودانيين لزراعة أراضيهم التي يضع فيها الإثيوبين يدهم أو المجاورة للمناطق المتنازع حولها، يستعد المزارعون الإثيوبيون كذلك للتمدد والتوغل داخل العمق السوداني لزراعة الأراضي السودانية التي كانوا يقومون بزراعتها في السنوات العشر الماضية والتوسع أكثر حال أتيحت لهم الفرصة بقضم مساحات جديدة من السهول السودانية.

الزراعة مناصفة

الجانبان الإثيوبي والسوداني يدركان أن إثيوبيا حتى ولو بضغط من إقليم الأمهرا الذي يمارس إبتزاز متواصل على الحكومة الفدرالية الإثيوبية لن تدخل في إي نزاع عسكري مع السودان في تلك المنطقة ليس بسبب الخسائر العسكرية الباهظة للحرب وإنما لأن إثيوبيا نفسها تعي بأن اي نزاع عسكري في تلك المنطقة يضر بمصالحها الاقتصادية أكثر من تضرر السودان خاصة وأن الحرب قد لا تؤثر على توقف الزراعة في تلك المنطقة التي تطمع فيها فحسب بل في التسبب في نزوح ما يقارب عن 27 مليون من إقليم الأمهرا إلى الداخل الإثيوبي مقارنة مع مليوني سوداني يمثلون تعداد ولاية القضارف الحدودية مع إثيوبيا، وبالتالي يعني ذلك فعليا تكبد البورصة الإثيوبية للسمسم التي تم انشاؤها على مقربة من الحدود السودانية بسبب توقف إنتاج السمسم حال نشب اي نزاع مسلح بين البلدين، خاصة وأن إثيوبيا ترى أنها نجحت في تحقيق نسب إنتاج عاليه من السمسم المزروع في الأراضي السودانية التي وضعت يدها عليها والتي تناهز المليون فدان، ولذلك تسعى الحكومة الإثيوبية بشتى السبل والوسائل لاقناع الحكومة السودانية بالسماح لمزارعيها بالاستمرار في الزراعة ولو بدفع قيمة ايجار الأراضي حتى لا تتوقف البورصة الإثيوبية.. مراقبون يرون أن طرح فكرة ايجار الأراضي السودانية أو حتى زراعتها مناصفة بين المزارعين السودانيين والإثيوبين التي ظهرت في الفترة الأخيرة شجعت وحمست بعض المزارعيين السودانيين على قبولها خاصة وأن المزارع السوداني يحصل نظير ما يمتلكه من مشاريع زراعية على تمويل وقروض وحصص وقود، وفي ذات الوقت يحصل المزارع الإثيوبي من بلاده على التقانات الحديثه، مما جعل الكثير من المزارعين السودانيين يلجأ لبيع حصصهم من الوقود وتدوير أموال التمويل الزراعي في تجارة أخرى، يقابله في الجانب الآخر حرص المزارع الإثيوبي على استلام محصوله بالكامل وبيعه للحكومة الإثيوبية حتى ولو دفع له في السودان أضعاف المبلغ من الذي يحصل عليه في إثيوبيا، وهو ما يفسره البعض بأن من يقف وراء الزراعة هي الحكومة الإثيوبية وليس المزارع الإثيوبي البسيط الذي يبحث كغيرة من المزارعيين في أي منطقة في العالم عن تحقيق الربح.

إحساس بعدم الحوجة

وبحسب مصادر عليمة ل_( Sudan morning) إن مجموعة نافذة من داخل حكومة النظام السابق ضغت على الحكومة السودانية في بداية التسعينات بالسماح للمزارعين الإثيوبيين بزراعة مناطق من الفشقة منعا لتمدد وتواجد المعارضة السودانية المسلحة التي كانت تنشط في شرق السودان في تلك الفترة بتلك المنطقة، مع اشتراطات بأن تتم الزراعة بالطرق البدائية، خاصة وأن المزارعين الإثيوبيين قبل تلك الصفقة كانوا بتمددون في مساحة 84 ألف فدان داخل الأراضي السودانية التي بدأت منذ العام 1957م، لكن سرعان ما تمدد المزارعون الإثيوبيون مستخدمين الآلات الحديثة والتقانة المتطورة والتوجه كليا لزراعة مناطق واسعة بمساعدة الحكومة الفدرالية في أديس أبابا وبحماية من الجيش الإثيوبي بعد أن شعرت الحكومة الإثيوبية بعدم حوجة حكومة البشير والسودان عامة في تلك الأراضي لما يمتلكه ويتمتع به السودان من مساحات واسعة.

تغيير ديمغرافي

الحكومة الإثيوبية لم تكتفي بزراعة مواطنيها للأراضي السودانية فحسب بل تعمدت من خلال التوغل المستمر على مناطق الفشقة بشقيها الصغرى والكبرى على التغيير الديمغرافي ببناء قرى بكامل الخدمات من طرق معبدة وكنائيس ومساجد ونقاط خدمية وإنشاء مدن جديدة مثل مناطق مدينة سفاري، خور حمر، ام قزاز، ابو طيور، سلام بر، برخت، مجاج، قطر آن.

الصحفي والباحث في العلاقات السودانية الإثيوبية حالي يحي، أكد لموقع ( Sudan morning) على أن تأخر حل مشكلة الفشقة يعود لتعمد حكومة البشير تجاهل القضية، لجهة أنها لم تكن أولوية في حسابات النظام السابق، بسبب خصوصية العلاقة بين المؤتمر الوطني الحاكم في السودان أنذاك وحكومة الراحل مليس زيناوي حينذاك،
حالي توقع أن تفضي زيارة نائب رئيس المجلس السيادي الفريق أول محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى تنسيق مشترك بين البلدين وحسم كل ما يعكر صفو العلاقات بين أديس أبابا والخرطوم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى