تقارير وتحقيقات

علمانيون وإسلاميون.. صراع الأفيال الذي سحق الحشائش

علاقة الدين بالدولة.. جدل استغرق عقودآ في السودان

تحقيق: مجدي العجب

أزمة أفول يعانيها الإسلام السياسي على الصعيدين النخبوي والشعبوي، بعد أن ساهمت ثورة ديسمبر 2018م، في تآكل شعبيته ، إذ يعاني الإسلاميون أزمة وجود، بينما تعيش التيارات العلمانية موت سريري، فرضته عليها ميول السودانيين الصوفية والتزامهم بالتدين الشعبوي، وضعف الطرح المباشر الا ما قالته الحركة الشعبية لتحرير السودان “الحلو” في مفاوضات السلام، وما أقرته حركات مسلحة أخرى تطرح “العلمانية” كمرجعية لدستور السودان الدائم.

البحث عن مخرج:

بعد ان كان الحديث عنها والمطالبة بها على استحياء، خشية الغضب الجماهيري المفعم بالعقائدية الدينية التقليدية، اصبحت اليوم طرحا مباشرا في مفاوضات السلام،
“العلمانية” كلمة مفتاحية للبحث عن مخرج للأزمة السياسية في السودان.

في العام 1988م، وقع مرشد عام الطائفة الختمية، ورئيس الحزب الاتحادي الديمقراطي احد مكونات الحكومة الإئتلافية بعد ثورة ابريل 1985م، مذكرة تفاهم مع الحركة الشعبية لتحرير السودان صاحبة الطرح العلماني الواضح.

لم تكن “العلمانية” او فصل الدين عن مؤسسات الحكم منصوص عليها صراحة في اتفاق الميرغني _ قرنق بل تم ارجاء الأمر الي قيام مؤتمر دستوري يحدد فيه أمر إدارة البلاد ولكن كان الموقف الثابت للحركة الشعبية حينها هو إلغاء قوانين سبتمبر (1983) وتوافق حول تجميد الحدود وكافة المواد ذات الصلة المضمنة في قوانين سبتمبر وان لا تصدر أية قوانين تحتوي على مثل تلك المواد الي حين قيام المؤتمر القومي الدستوري للفصل في مسألة القوانين.

أما فيما يتعلق باتفاقية نيفاشا فقد جاءت فيها مصادر التشريع مفصلة ومبينة 5ـ (1) تكون الشـريعة الإسلامية والإجماع مصدراً للتشـريعات التي تُسن على المستوي القومي وتُطبق على ولايات شمال السودان باستثناء الولايات التي تضم أغلبية مسيحية وديانات وثنية، ولكن بأنفصال “جنوب السودان” إنتكست الحالة السياسية في البلاد، واصبح دستور 2005م الإنتقالي حبرا على ورقة.

نزاع ايدولوجي:

إستمرت حالة النزاع الأيدلوجي منذ خمسينيات القرن الماضي تسيطر على الفضاء العام، حيث فشل الجميع في تقديم مشروع سياسي علماني واضح، ولكن الالتفاف عليه من خلال طرح البعض ما اسموه “الدولة المدنية”، حيث إعتبر رئيس حركة العدل والمساواة ذات الطرح الإسلامي “د.جبريل إبراهيم” في افادته لـ(سودان مورنينغ) ان لمصطلح “العلمانية” مدلولات سالبة في مجتمعنا المسلم بغض النظر عن صحة الفهم السائد من عدمه. و بالتالي من المهم طرح الموضوع و إدارة نقاش حوله في المجتمع قبل اتخاذ قرار بشأنه. نحن في المفاوضات في السلام بـ(منبر جوبا) رأينا انه من الاوفق إحالة موضوع علاقة الدين بالدولة إلى المؤتمر القومي الدستوري لحسمه و صار ضمن الأجندة المعتمدة للمؤتمر.

جبريل إبراهيم :لا يمكن فرض العلمانية علينا بالقوة

اقر”د. جبريل ابراهيم” بمبدأ الحقوق والمطالبة لكل شخص او تيار بطرح رؤاه قائلا:” من حق أي مواطن في بلد حر المطالبة بما يراه الأنسب لشعبه و لبلده، و لكنه لا يملك حق فرض رؤاه بالقوة الجبرية.) مشيراً الي ان قضية علاقة الدين بالدولة قضية شغلت العالم منذ عصور بعيدة و أثرت في تباين وجهات النظر في موقع الدين في المجتمع و الحكم.

علمانيون سودانيون مغربون:

بعد ثورة ديسمبر، التي اطاحت بالاسلام السياسي من السلطة، وعزلته شعبويا، تصاعدت في المقابل دعاوى التيارات الليبرالية، وبالتالي اصبحت “العلمانية” طرحا واضحا كمدخل لمشروع وطني يخرج السودان من أزماته السياسية المتراكمة، حيث أكد مؤسس الحزب الليبرالي “عادل عبدالعاطي” على ضرورة “العلمانية” كمرجعية دستورية لحكم السودان وقال في إفادته لـ(سودان مورنينغ) :”تحفظ العلمانية للسياسة حيزها الحقيقي كصراع بين أحزاب وبرامج ورؤي وليس بين مؤمنين وكفار وشياطين وملائكة ،فالدولة العلمانية ستكفل لنا الانضمام للعالم الحديث”، واضاف اغلب الدول ذات الأغلبية الاسلامية هي دول علمانية بل ينص دستورها على ذلك”، موضحا بأن الدولة العلمانية التي نتحدث عنها تفصل الدين عن السياسة ولا تفصل الدين عن المجتمع ولا تتعدي عليه باعتباره أحد مكوناته الثقافية والحضارية فهي تعترف بالتعبد والتدين والتبشير وتقف على مسافة واحدة من الأديان ولا تدخلها في التشريع أو اختيار الناس للمناصب العامة.

الوهم الأكبر:

بعد أفول نجم الإسلام السياسي في السودان ، اصبح الطرح العلماني محط انتقاد كثير من الإسلاميين التقليديين، حيث اسماه القيادي الاسلامي والمفكر “د.أمين حسن عمر”بـ(لا دينية) واطلق على دعاتها (اللادينيون) بمحاولتهم على نفي الدين وجعله وهما ، انما هو الوهم الأكبر على حد تعبيره، قائلا:”لا دينيو المشرق حرفوا الكلم عن مواضعه لما عربوا كلمتى (سكيولر ولايك) الى علمانى بينما تعنيان بالانجليزية والفرنسية لا دينى أى أنه لاينتسب ولا يستند للمفاهيم الدينية . وحتى التعريب كان خاطئا بقواعد النسب العربى”،

وأضاف “عمر” في افادته لـ(سودان مورنينغ) أصبح شعار الدولة المدنية ثوباً آخرا يتدثر به العلمانيون في المنطقة العربية بعد أن أدركوا تهافت الخطاب العلماني وافلاسه وانصراف الشعوب عنه ضربة لازب. ومثلما استخدم من قبل أسم العلمانية المشتق من العلم دثاراً للدولة اللادينية اللائكية يُراد استخدام التمدن دثاراً للعلمانية التي عرفت الجماهير سواءتها وأنصرفت عن جهاتها. ولذلك فان الحملة تدار الآن لإقناع الشعوب أن إسلام الحركات الإسلامية هو ليس بالإسلام المعتدل الوسطى، بل هو السياسة المتدثرة بالإسلام . ويراد إقناع الإسلاميين بعد أن ترجح وصولهم للحكم على أكتاف الجماهير أن يحكموا بالسياسة العلمانية التي تفصل الحكم عن القيم والمقاصد والقواعد الإسلامية، ويسمون ما يدعون إليه بالدولة المدنية .

بدائل الدينية:

اوضح “القيادي الاتحادي الديمقراطي (من احزاب الوسط في السودان) الامين الهندي” فصل الدين عن الدولة لا يعني الغاء الدين من حياة الناس و حتي على المستوي السياسي لكل دولة ديانتها ،قائلا:” لا اري اختلاف بين الدولة العلمانية و المدنية في الاسس التي تبني عليه الدولة فكلاهما يعني المواطنة هي اساس الحقوق و الواجبات”.

مشيرا الى ان الصراع بعد الثورة في السودان اتخذ شكلا ايديولوجيا بين اليسار الذي تبني الثورة و اليمين المتمثل في النظام البائد و الإسلاميين. وظل الصراع الايديولوجي مسيطرا علي الساحة السياسية و غيب الحلول السياسية و الاقتصادية واقعد الحكومة الانتقالية.

عبدالمحمود أبو. :العلمانية تتعارض مع الدين

حالة إستقطاب:

شخص الامين العام لهيئة شؤون الانصار “عبدالمحمود أبو” معضلة البلاد وقال حاجة السودان الآن إلى الاستقرار والوحدة والتنمية؛ وهذا يتطلب نظام حكم متوافق عليه يلبي طموحات جميع مواطنيه بلا استثناء ، مضيفا: “أي طرح ايديولوجي في هذه المرحلة سيخلق حالة من الاستقطاب تجرنا إلى فتنة تزيد النار اشتعالا “.

،واعتبر “ابو” العلمانية مشبعة بمفاهيم تتعارض مع الدين وهي تجربة نجحت في الغرب لملائمتها للبيئة هناك ولكنها في السودان تتصادم مع عقيدة أغلبية المواطنين وما رسخ في أذهانهم ثم إنها صارت في قناعات المجتمع تقف في مقابل الدين؛ ومعلوم أن الدين الإسلامي في السودان يمثل عقيدة أغلبية المواطنين يحتكمون إليه في كافة مناحي حياتهم.، رافضا طرح دستور علماني او اسلامي ، مطالبا بالتوافق على دستور مدني، يستند على قيم الإسلام في الحكم، وقيم الأديان السماوية وكريم المعتقدات والمواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان ويستصحب إيجابيات العلمانية التي لا تصادم دين الأغلبية؛ مبيناً في حديثه لـ(سودان مورنينغ) حيث تكون القوانين العامة التي تطبق على المواطنين مقبولة للجميع والقوانين ذات الصبغة الدينية تطبق على إتباع الأديان كل حسب معتقده على نحو ما جاء في صحيفة المدينة التي وضعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لتنظيم علاقات الدولة بين المسلمين وغيرهم في دولة متعددة الأديان، داعيا الى طرح للعلمانية وغيرها من الأفكار في منابر ثقافية لمعرفة ما يمكن أقلمته مع البيئة السودانية ولتحول إلى برامج انتخابية يقدمها أصحابها للشعب السوداني في إنتخابات حرة ليقرر ما يريده الشعب السوداني بإرادته الحرة.

بينما تمسك رئيس حزب الوسط الإسلامي “د.يوسف الكودة” بموقفه الرافض للطرح العلماني كمرجعية دستورية للحكم في السودان ، وقال:”السودانيون مسلمون على اختلاف مكوناتهم الفكرية ولا يقبلون بديلا للاسلام لا على مستوى العبادة الخاصة او على مستوى التشريع والحكم”.

كبلو:وصلنا لصيغة علمانية سودانية في مؤتمر مصوع

صديق محمد عثمان: الانقاذ دولة علمانية حقوق وواجبات:

قدم الشيوعيون السودانيون طرحا علمانيا قبل عقود، ولكن الحركة السياسة المتأرجحة في السودان بين الثورات والانظمة المنتخبة القصيرة، مقارنة بالسنوات الطويلة التي امضاها العسكر في السلطة، لم تمكن الشيوعيين من تقديم طرحهم هذا في مناخ ملائم، ولكن اكد عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني “د.صدقي كبلو” في حديثه لـ(سودان مورنينغ) ان الحركة السياسية السودانية وصلت منذ مؤتمر مصوع،سبتمبر
\2000م، لصيغة علمانية سودانية هي الدولة المدنية الديمقراطية القائمة على المواطنة و الحقوق المتساوية، وفصل الدين عن السياسة وضمان حق حرية الضمير وممارسة المعتقدات الدينية لكل المواطنين ويري ” كبلو” ان هذا هو تجسيد لمفهوم العلمانية فلا توجد دولة تكتب في دستورها انها علمانية بل تجسد معاني العلمانية في مواد دستورية تم الدولة وعلاقاتها مع المواطنين عبر نصوص واضحة حول الحقوق واحترام التعدد الديني والثقافي ، بينما يرى القيادي بالمؤتمر الشعبي (حزب ذو مرجعية إسلامية في السودان)، “صديق محمد عثمان” ان السودان لم تحكمه افكار او مشاريع فكرية قط. بل حكمته ذات النخبة تحت واجهات واسماء مختلفة كلما ظهر مشروع فكري تسلقته هذه النخب واغتالت زعيمه ( كما في حالة عبدالخالق) او سجنته كما في حالة الشيخ الترابي، مردفا: “معضلتنا ليست الدولة الدينية او العلمانية بل هذه النخب التي لا تريد السماح للناس بالوقوف على حقيقة ما هي الدولة الدينية وما هي الدولة العلمانية ثم جعلهم يختارون عن بينة، مشيرا الى المنطق الاساسي الذي يستند اليه العلمانيون هو استغلال السلطان للدين لقهر الناس وهو منطق معوج تماما لان الدين هو الذي يمنح الناس الحرية التي لا يستطيع السلطان نزعها منهم ، بينما التجارب العلمانية كلها مارست على الناس ديكتاتورية الاقليات كما نشاهده الان في الغرب، ويضيف “صديق”:
“العلمانيون يظنون ان المعضلة التي تواجههم هي الحركات الاسلامية ، لكنهم لا يتوقفون ليسالوا انفسهم لماذا تنجح الحركات الاسلامية في مجتمعاتنا في فترات وجيزة جدا بينما تفشل المشاريع العلمانية بما فيها الانقاذ ،ولماذا نجح رجل بسيط زاهد كالامام المهدي في توحيد قطر مترامي جدا وهو ليس له وسائل اتصال او مواصلات،وكيف تسرب الاسلام من سيطرة بني امية الذي انشغلوا بقتل ال بيت النبي وابي بكر الصديق وعشرة آلاف مسلم في مركز الخلافة بينما كان بلال في الشام وسلمان في فارس وغيرهم من الصحابة بعثات دبلوماسية فتحت الامصار دون حرب او قتال”.

شيطنة العلمانية:

كشف القيادي الجمهوري “د.النور حمد” ان الإسلاميين حاولوا استقطاب جماهير الطائفتين (الأنصار والختمية) إلى معسكرهم، باعتبارها متدينة فلم يكن هناك سلاح أمضى من رفع شعار “تحكيم شرع الله”، مردفا:”يتاجر أهل الإسلام السياسي بتخويف الناس من العلمانية وكأن العلمانية ستلغي الدين من حياة الناس. وفصّل هناك فرق بين “علمانية المجتمع” و”علمانية الدولة” إذ لا تعني علمانية الدولة علمانية المجتمع. فكثير من المجتمعات في عالم اليوم مجتمعات متدينة، بل ومسلمة، ولكن نظام الدولة فيها نظام علماني. أي أن جهاز الدولة كجهاز منظم لمصالح الناس لا يستخدم الدين في أداء مهامه الوظيفية المعروفة في علم الدولة والسياسة” مشيرا الى ان دعوات تأجيل البت في علمانية الدولة إلى ما بعد الفترة الانتقالية هي محاولة جديدة لإبقاء الإسفين القديم الذي فكك الدولة السودانية في مكانه.

ابدى المفكر الماركسي بروفسيور
“عبدالله علي ابراهيم” انزعاجه من مضمون طرح العلمانية (التي هي علاقة غاية التعقيد والتنوع بين الدين والدولة)، مستغربا ان

يكون هذا الطرح إشكالية لمعارضة مدنية ومسلحة لم تغادر مدينة في الدنيا عبر 30 عاماً ولم يصدر عنها ميثاق فيها تناول قضية الدولة والدين وتسأل مستنكراً لماذا الحجاج حول هذه العلاقة التي أوسعتها المعارضة اتفاقاً؟ ففتح النقاش حولها كعقبة دون السلام، مردفا:” إصرار الحركة الشعبية (الحلو) على أن يقوم فصل الدين عن الدولة باسم العلمانية لا تنقص إن لم تزد”، قائلا:” لم نسمع منها هذا الجهر في المواثيق التي وقعتها بكافة بلاد الله مع معارضين آخرين واكتفت بفصل الدين عن الدولة أو “الدولة المدنية” في أحسن الأحوال. ولم اسمع بالحركة الشعبية أذاعت مفهوم العلمانية تعريفاً ومفهوماً بين كادرها ناهيك عن سائر السودانيين، لم تنعقد حوله ندوة مذكورة، ولا رسائل مطبوعة أو على الفيديو تؤمن نفاذ المصطلح إلى افهام الناس لإزالة الكدر الذي ران عليه منذ نهوض الثورة المضادة لثورة أكتوبر التي حلت الحزب الشيوعي على بينة علمانيته وإلحاده. ألا يستحق مطلب مثل العلمانية “المستورد” هذه النباهة من دعاته حتى يسلس في الأفهام ويأمن إلى الأفئدة، واضاف “إبراهيم” :” بدا لي عوار في استجابة الجماعات السياسة الأخرى لمطلب الشعبية. فصار موضوع العلمانية بعض تصفية حسابات بايتة في سياق نزاع الشعبية (الحلو) والشعبية (عقار). وفي هذا رهق للخطاب حول المسألة. كما بدا لي أن المؤتمر السوداني كمن يجامل في تفهمه للمطلب من غير نهج واضح مستقل”، ودعا القيادي الجمهوري “د.حيدر الصافي” الى طرح مجموعة مبادئ لتنظيم العلاقات الاجتماعية على أسس إنسانية ولكن الدستور العلماني في مجمل فلسفته “معيب ” ولا يلبى احتياجات الإنسانية المعاصرة .

ظل الجدل حول مرجعية الحكم الدستورية في السودان مثارا للشقاق والصراعات منذ الاستقلال في العام 1956، ولم يتوافق السودانيون على حسم هذا الجدل حتى الآن، ولكن ربما يحسمه المؤتمر الدستوري المزمع انعقاده بنهاية الفترة الانتقالية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى