اعمدة ومقالات

عبدالله أبو علامة يكتب __ود الريح والهمبر والغراب والبوم

مشاهدات من الرقراق

 

 

أليس عجيبا جدا ، أن يعتري الانسان ، شعوران متناقضان ، في ذات اللحظة ! فرح وحزن اعترياني ، حين حملت الي الأسافير ، أن البروف محمد عبدالله الريح — بارك الله في عمره — قد اهدى مكتبته الخاصة ، لمتحف السودان للتاريخ الطبيعي ، التابع لجامعة الخرطوم ، ومعها عشرون الف نسخة ، من مؤلفاته البديعة ، لتباع ويعود ريعها للمتحف . أسعدني هذا النبأ ، لأن المكتبات عماد من اعمدة البحث العلمي ، وما الجامعة بلا بحوث علمية ! ولأن مكتبات الأفذاذ ، مثل بروف الريح ، تكون بلا ريب ثرية غنية ، مكتنزة لحما وشحما ! ومن قبل كان السيد محمد صالح الشنقيطي ، قد اهدى مكتبته لجامعة الخرطوم ، كما كان البروف التيجاني الماحي ، هو الاخر قد فعل ذلك ، وسمعت ان السيدة جريزيلدا الطيب ، قد اهدت مكتبة البروف عبدالله الطيب ، لجامعة الخرطوم ، طيب الله ثراهم ، واجزل مثوبتهم ، اذ هذا مما ينفع الانسان بعد موته : علم ينتفع به . ولعل مثل هذه الذكرى العطرة ، تحفز رجالا اخرين ، ونساء اخريات ، من علمائنا وعالماتنا ، لوقف مكتباتهم لدور العلم ومراكز الابحاث . أما بروف الريح ، ومتحف التاريخ الطبيعي ، فقصة غرام قديمة ، بين البروف ومتحفه العتيد ، تتسلل خيوطها الأولى ، من مدرسة خورطقت الثانوية ، ففي امتحان النقل للصف الثالث ، ذهبت درجات الرياضيات والعلوم ، بالتلميذ محمد عبدالله الريح ، الى القسم العلمي ، ولكنه ركب رأسه ، واستغشى ثيابه ، وأصر اصرارا ، بأن يظل في القسم الأدبى ، بحجة أنه يعشق الشعر والأدب والفنون ! فلما استنفد الاساتذة معه الحيله ، رفعوا الأمر لناظر المدرسة ، وكان كما هو شأن الكبار ، بعيد النظر ، واسع الصدر ، فمضى يأخذ تلميذه العبقري ، من هنا ، ويأتيه من هناك ، حتى أقنعه بأن دراسة العلوم التجريبية ، لا تمنع من تعاطي الأدب ، بل والتبريز فيه ، وضرب له الأمثلة في ذلك . وقادت الدراسة العلمية ودالريح ، الى كلية العلوم بجامعة الخرطوم ، وقادته دراساته العليا ، الى المتحف الطبيعي ، ودرج فيه حتى تسنم عمادته ، زمانا طويلا . وليست هذه هي الحكاية ، كما يقولون ، ولكنها تتناسل لتلد حكايات ، وروايات ، لحمتها وسداها غرام ودالريح بالفنون ، كل الفنون ، خاصة الشعروالغناء والموسيقى . وقد عرفت ودالريح ، اول ماعرفته منتصف ستينات القرن الميلادي الماضي ، وانا تلميذ اقرزم ، في المرحلتين الوسطى والثانوية ، وهو كاتب صحفي ، يشار اليه بالبنان ، كان يحرر بابا اسبوعيا ، في جريدة الرأي العام ، تحت عنوان : كلام الطير في الباقير ! يتناول فيه المسائل السياسية والاقتصادية والاجتماعية ، وحتى الثقافية ، بأسلوب فكاهي ساخر جدا ، يضحكنا حتى تدمع أعيننا ، وكانت الصحافة السودانية ، ابان الديموقراطية الثانية ، بعد ماعرف بثورة اكتوبر 1964 ، مزدهرة جدا ، واحرزت مكانة مرموقة في نفوس قارئيها . وكانت على الساحة صحف كثيرة ، ولكن ملكاتها كن ثلاثا : الصحافة والأيام والرأي العام . اشتهرت جريدة الصحافة ، بعمود في يسار الصفحة الاولى ، تحت عنوان : عزيزي القارئ ، يكتبه الاستاذ عبدالرحمن مختار ، رئيس التحرير ، يتناول حدثا — ساخنا — بطريقة السهل الممتنع ، وهو فن عزيز برع فيه كتاب معدودون ، كالصحفي المصري علي أمين ، صاحب عمود ” فكرة ” في صحيفته الذائعة الصيت : أخبار اليوم ، وكعمود شاعرنا العملاق محمد مفتاح الفيتوري : أفكار لها سيقان ، بصحيفة الانوار البيروتية ، وكعمود الاستاذ محمد زكي عبدالقادر : ما قل ودل ، في جريدة الجمهورية المصرية ، وكعمود : في الصميم ، للأستاذ علي حامد في الرأي العام . وكانت الصفحة الثالثة ، من جريدة الصحافة ، وهي اول ما يقابل القارئ حين يفتح الصحيفة ، فهي بمثابة صفحة اولى ” ثانية ” ، ما يعرف ب ( الكوكتيل ) ، ويحوي مواد خفيفة فنية وثقافية واجتماعية ، من جميع انحاء العالم ، وكان مصدر الاعجاب بها ، وبمحرريها الشباب ، الجهد المضني ، الذي يبذله أؤلئك الشباب المحررون ، لجمع مادتها الشهية ، دون وجود وسائل الاتصال الحديثة ، التي جعلت كل شئ متاحا ، الصالح والطالح ! اما الرأي العام ، فبالاضافة الى عمود الاستاذ علي حامد : في الصميم ، وهو صحيفة كاملة وحده ، هناك صفحة ود الريح : كلام الطير في الباقير ، وقد كان يجذب أناسي كثيرة ، لجريدة الرأي العام ، خاصة الشباب ، وكانت هذه النافذة التي أطل منها ود الريح على جيلنا ، على وجه الخصوص . اما صحيفة الأيام ، ثالثة الملكات ، فقد ميزها ، يوميات الاستاذ بشير محمد سعيد ، في الصفحة الثالثة ، وكانت مائدة شهية للعقل والروح ، بما تحمل من تحليلات عميقة ، وأفكار ناضجة ، بالاضافة الى كاراكاتير عزالدين عثمان في الصفحة الأخيرة ، وكان منصة للتعبير المختصر جدا ، عن الاحداث والوقائع ، يدهشك ثم يضحكك حتى تستلقي على قفاك. ولا زالت في الذاكرة ، بعد قرابة نصف القرن من الزمان ، صورتان كاراكاتوريتان : احداهما للسيد الصادق المهدي ، زعيم المعارضة ، بعد حل الجمعية التأسيسية ، بعد الاتفاق بين حزبي الاتحادي الديموقراطي ، والأمة جناح الامام ، وقد ظهر في الكاريكاتور : السيد الصادق يعلق طبلة على ظهره ، ويمر امام منزل الزعيم الازهري ، ولسان حال السيد الصادق : ابو الظهور….خرق الدستور….، والكاريكاتور الثاني ، لمواطن غلبان ، يقف امام مبنى الجمعية التأسيسية ، ويرفع عقيرته : وا ناري …الما بقيت نايب…اصرف المية …وكل يوم غايب…، وكانت الصحف تضج بأخبار تغيب النواب عن جلسات البرلمان ، وكانوا يتعاطون راتبا مقداره مائة جنيه ! وجيلنا يحب ود الريح لذائقته الرائعة ، للغناء الأصيل ، فلو اتيح لك ان تستمع لبروف الريح يحدثك عن عبدالعزيز داود : اختياره للكلمات ، الألحان التي يزين بها هذه الكلمات ، والاداء العجيب للكلمات الملحنة ، فأنت حينئذ ستذهب الى عوالم اخرى ! أما الهمبر ، فعربة انجليزية كلاسيك ، فخمة جدا ، استجلبها النقل الميكانيكي ، أيام مجده ، للوزراء خاصة ، ثم لما انتهى دورها ، بيعت للمواطنين ، واما الغراب والبومة ، فمن سكان متحف التاريخ الطبيعي ، والذي جمع بين الهمبر والغراب والبومة ، خاطرة اوردها ود الريح عن خطاب ، جاءه من صديق اغترب الى الخليج ، في البدايات الأولى للاغتراب ، وكتب من هناك خطابا ، لصديقه ود الريح ، كانت افتتاحيته : ود الريح …يا اول من ركب الهمبر بعد الحكومة ، ويا من يتفاءل بالغراب والبومة .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى