اعمدة ومقالات

عبدالله ابوعلامة يكتب : * الخرطوم…خرطوم أبوي أنا *

@مشاهدات من الرقراق @

حين نطق الإذاعي المقتدر ، الأستاذ أيوب صديق ، من مايكرفون راديو هيئة الإذاعة البريطانية : هنا أم درمان ! لم يرتبك ولم يرتجف ، بل استدرك في حصافة : آسف انساتي سيداتي سادتي ، هنا لندن . ثم أردف بذات الهدوء ، وبذات الرصانة :
* بلادي وإن جارت علي عزيزة
* وأهلي وان ضنوا علي كرام وقد أعجب الإنكليز ، إداريين ومستمعين ، بحسن التصرف ، وسرعة البديهة ، لأيوب صديق ، أما نحن عشاق السودان ، الوطن الممتد فينا جرحا نازفا أبدا ، وعشاق الكلمة الخضراء ، التي تشبه محبوبة الحاردلو : * البارح أنا وقصبة مدالق السيل
* في ونسة وضحك لمن قسمنا الليل
* وكتين العنقريب اتشنقلنبو الخيل
* لا جادت ولا بخلت علي بالحيل
لما بلغنا خبر أيوب ، وخطأه الجميل ، ذبنا ، حبا لسوداننا ، وعشقا لقصبة مدالق السيل ! وكم هي عزيزة علينا بلادنا و إن جارت، وكم هم كرام أهلنا ، مهما ضنوا ! تراءى لعيني هذا الحدث المحفور ، في أعماق الذاكرة الواعية ، المخدوشة بكل سكاكين الجهالة والضلالة والهبل ! وأنا أتابع في دهشة وألم ، ردود الفعل غير المنضبطة ، بل غير العقلانية ، التي صدرت ردا على كلمة ” هايفة ” ، قيل أن الجنرال دقلو ، تلفظ بها : هي الخرطوم…خرطوم أبو منو ! ردا على من تضجروا من الفوضى التي حدثت ، بعد دخول قوات لبعض الحركات المسلحة ، التي وقعت إتفاق جوبا ! وبموازين العقلانية والرصانة ، جانب الفعل ورد الفعل ، كلاهما دنيا العقلانية ، وجنح إلى المراهقة السياسية ، إن لم أقل الطفولة السياسية ! أما آن لقومنا جميعا ، أن يعترفوا بأميتهم السياسية ، ويدخلوا ، بناء على ذلك ، أكاديمية السياسة الرصينة ، ويتعلموا ألف باء الممارسة السياسية الراشدة ! لماذا كل هذا الكم من الكراهية ، ولماذا هذه البضاعة الخاسرة من التربص ! أما آن لنا أن نجلس في مدرسة جنوب أفريقيا ، لنستمع في إنتباه شديد ، لدروس المعلم مانديلا ، في التسامح والصفح والتعايش والاعتراف بالآخر ! ونحن أفارقة أقحاح ، والمدرسة أفريقية ، والمعلم أفريقي قح ! هلا أصخنا السمع ، ونحن نردد في سرنا ، حيثيات دروس ” المصالحة والحقيقة ” ، وها هي جمهورية جنوب أفريقيا ، بعد الفصل العنصري البغيض ” الأبرتايد ” ، الذي امتد لقرابة القرن ، وبعد القتل والسحل والسجون والمنافي ، عادوا إلى شواطئ العقلانية والمواطنة والمعايشة والاعتراف بالآخر . ثم ألا يسعنا ما وسع الهوتو والتوتسي ، في رواندا ، وقد تذابحوا ، تذابح الديكة ، حتى ملأت جثثهم النهر الخالد ، رجالا ونساء واطفالا ! وحتى غيرت دماءهم السائلة مياهه إلى حمرة قانية مخيفة ! ثم عادوا إلى بر العقلانية ، وجلسوا على الأرض ، وتصالحوا وتسامحوا وتراضوا ، وتشابكت أيديهم ، وهاهي جمهورية رواندا ، تصعد درجات سلم التطور والنماء في ثقة وتؤدة ! ألا ونحن نتمدد في مساحة تساوي عشرات المرات مساحة رواندا ، وعددنا يفوق عشرات المرات أعداد الهوتو والتوتسي ! إلى متى سنظل ضحايا التشاكس الطفولي البغيض ، بين اليمين واليسار ! وإلى متى سنظل أسرى النزوات الشخصية العنصرية الكريهة ! وحتما نخرج من قوقعة أحفاد البوربون ، الذين لم يتعلموا شيئا ، ولم يتركوا شيئا ، كما يقول الدكتور منصور خالد ، رحمه الله ! والام سنظل نتجادل ، جدل أهل بيزنطة ، والعدو على الأبواب ، وما عدونا — وأيم الحق — إلا العمى السياسي ، والفقر المعرفي ، والمرض والغرض — ! فللذين أثارتهم عبارة دقلو ، فأخرجوا أسوأ ما تحمل أفئدتهم ، نقول : كفانا من علمكم ( يكفي ) بضم الياء وسكون الكاف وكسر الفاء ! وللسيد دقلو ، صاحب العبارة التي أثارت الزوابع ، نقول باسم الشعب السوداني الصابر : الخرطوم …خرطوم أبوي أنا .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى